تحتفل مصر، في الخامس والعشرين من أبريل، بالذكرى الثالثة والأربعين لتحرير سيناء، وهي ذكرى ليست فقط لتحرير أرض، بل لاستعادة كرامة وطن وتحقيق نصر سياسي ودبلوماسي أعقب صمودا عسكريا أسطوريا. وقد شهدت هذه المناسبة الوطنية، صباح اليوم، قيام الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري لشهداء القوات المسلحة بمدينة نصر، في لفتة تجسد الامتنان لتضحيات الأبطال الذين كتبوا تاريخ التحرير بدمائهم، ورسخوا معاني السيادة والاستقلال.
تحرير سيناء في 25 أبريل 1982 لم يكن حدثا عابرا في تاريخ الدولة المصرية، بل محطة مفصلية أعادت فيها مصر سيادتها الكاملة على أراضيها بعد سنوات من الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ في أعقاب نكسة يونيو 1967. مثّل ذلك اليوم تتويجا لمسيرة طويلة من الكفاح بدأت بحرب الاستنزاف، مرورا بحرب أكتوبر المجيدة عام 1973، وانتهاءً باتفاقية كامب ديفيد التي ألزمت إسرائيل بالانسحاب التدريجي من سيناء.
ورغم استرداد كامل أرض سيناء في 1982، فإن صفحة النضال لم تطوَ تماما إلا في 15 مارس 1989، عندما استعادت مصر مدينة طابا عبر التحكيم الدولي، في ملحمة دبلوماسية لا تقل أهمية عن النصر العسكري، وتُوجت برفع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك علم مصر على آخر بقعة محررة، لتكتمل بذلك السيادة الوطنية على كامل تراب سيناء.
زيارة الرئيس السيسي اليوم للنصب التذكاري تأتي في إطار رسالة واضحة ومتعددة الأبعاد. أولا، التأكيد على مركزية القوات المسلحة في حماية الأمن القومي المصري، وثانيا، التذكير بأن سيناء ليست فقط رمزا للتحرير، بل أيضا بوابة لتحديات مستمرة في معركة التنمية ومكافحة الإرهاب. ومنذ تولي الرئيس السيسي الحكم، أولى سيناء اهتماما خاصا، سواء على المستوى الأمني أو التنموي، إدراكا منه أن حماية الأرض لا تكتمل إلا بإعمارها.
الاحتفال الرسمي يعكس أيضا حرص القيادة السياسية على ترسيخ مفهوم الوطنية في وجدان الأجيال الجديدة، والربط بين الماضي النضالي والحاضر الذي يواجه تحديات لا تقل خطورة، وإن اختلفت أدواتها.
رغم مرور أكثر من أربعة عقود على تحرير سيناء، فإن الدولة المصرية ما زالت تخوض معارك من نوع مختلف في تلك الرقعة الجغرافية الحيوية. الإرهاب العابر للحدود، وشبكات التطرف، ومساعي بعض القوى الإقليمية لزعزعة الاستقرار في شبه جزيرة سيناء ، فرضت على مصر خوض معركة بقاء جديدة، انتقلت فيها القوات المسلحة من معركة التحرير إلى معركة التثبيت والبناء، مما يستدعي تكاتف الشعب مع جيشه لاستكمال المسيرة.
تحرير سيناء كان لحظة تتويج لدماء الشهداء وحنكة المفاوض المصري، لكنه لم يكن نهاية المطاف. فسيناء، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي ووزنها التاريخي، تظل على الدوام في قلب المعادلة الوطنية، سواء في مواجهة التحديات الأمنية أو في مشاريع التنمية الكبرى التي تسعى مصر لتنفيذها هناك. واحتفال الدولة المصرية بهذه الذكرى كل عام هو تذكير بأن الثمن المدفوع كان غاليا، وأن الحفاظ على السيادة والاستقلال لا يكون بالشعارات، بل بالعمل والبناء واليقظة المستمرة.
[email protected]
إقرأ أيضا: فيصل مصطفى يكتب| رسائل استراتيجية في زيارة الرئيس السيسي الخليجية




