«تصعيد لوقف التصعيد»..ما هي العقيدة النووية ومتى تلجأ الدول لتغييرها؟

صورة موضوعية
صورة موضوعية

"العقيدة النووية".. مصطلح يتردد من وقت لآخر، في ظل اتساع رقعة الحروب في مختلف أنحاء العالم. 

هذا المصطلح يقتصر على دول النادي النووي، إذ تحدد كل دولة اشتراطات بعينها، من أجل استخدام أسلحتها النووية في مواجهة الأخطار. 

ووفق مواقع مختصة في تسليح الدول، تختلف العقائد النووية بين الدول، وفقًا لأهدافها الاستراتيجية، وتتنوع بين سياسة "الردع"، و"الهجوم الوقائي" وغيرها، وفقًا لرؤية كل دولة لدور أسلحتها النووية. 

أنواع العقيدة النووية

أولا: الردع النووي.. تعتمد هذه العقيدة على التهديد بالانتقام، لضمان عدم استخدام الأسلحة النووية ضدها، الهدف الأساسي منها منع الخصوم من شن هجوم نووي من خلال الردع المتبادل.

ثانيا: الهجوم الوقائي.. تحتفظ بعض الدول بالحق في استخدام الأسلحة النووية كخطوة أولى، خاصة في حالة وجود تهديد وشيك، ومع ذلك تبدي معظم الدول النووية حذرًا شديدًا، تجاه هذا الخيار لأنه قد يؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.

ثالثا: عدم الهجوم أولا.. تتعهد بعض الدول النووية، بعدم البدء باستخدام الأسلحة النووية، إلا في حالة تعرضها لهجوم نووي أولاً بهدف تقليل أخطار التصعيد النووي.

رابعا: المظلة النووية.. تقوم بعض الدول النووية بتقديم حماية نووية لحلفائها، مثل "المظلة النووية" التي تقدمها الولايات المتحدة لدول الناتو واليابان وكوريا الجنوبية، بهدف ردع التهديدات النووية التي قد تواجه حلفاءها.

 

متي تغير الدول عقيدتها النووية؟

هذا التساؤل تتعاظم أهميته، في ظل التهديدات المتواترة، باستخدام السلاح النووي بين الحين والأخر، وتكمن الإجابة في أنه يمكن تغيير العقيدة النووية، استجابة لتغيرات في البيئة الأمنية، أو لتعزيز الردع، أو للتكيف مع التهديدات الجديدة، بالإضافة إلى اعتباره جزءا ضمن سياق تحولات سياسية واستراتيجية. 

تُعَد مراجعة وتعديل العقيدة النووية خطوة مهمة، لتأمين البلاد وتعزيز موقفها الدفاعي، ولكن علي صعيد آخر تؤدي إلى قلق وتوتر دولي، خاصة بين الدول النووية الأخرى أو الدول المجاورة.

أمثلة تغيير العقيدة النووية

- صدر تقرير "Nuclear Posture Review" في 2018 بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أكد على أهمية الأسلحة النووية في الردع الموسع، وشمل ذلك تطوير أسلحة نووية "تكتيكية"، منخفضة القوة لتكون ردعًا ضد تهديدات محدودة، لردع روسيا والصين بجانب توجيه رسائل لكوريا الشمالية وإيران.

- في عهد الرئيس بايدن(2022)، جرى التركيز على الحد من دور الأسلحة النووية، رغم استمرار الحاجة إلى الردع، مع إعادة تأكيد الالتزام بعدم انتشار الأسلحة النووية والحد من التسلح.

- الحرب الروسية الأوكرانية  

خلال العقدين الماضيين، تبنت روسيا سياسة تسمح باستخدام الأسلحة النووية، إذا كانت تواجه تهديدات شديدة للأمن القومي، بما في ذلك ردع التهديدات التقليدية التي قد تُعتبر خطراً وجودياً. جاء هذا التغيير استجابةً للتوترات مع الغرب تعبيرًا عن عقيدة "التصعيد لوقف التصعيد"، التي تعتمد على استعراض القوة النووية لردع الخصوم.

- مراجعة سياسية

رغم أن الهند لا تزال تلتزم بسياسة "عدم البدء باستخدام السلاح النووي" (No First Use)، إلا أن بعض التصريحات في السنوات الأخيرة أبدت أن الهند قد تراجع هذا الالتزام في حال تعرضها لتهديدات شديدة من جيرانها، مثل باكستان أو الصين، ما يُظهر مرونة أكبر في سياستها النووية.

-ضربة استباقية

 في سبتمبر 2022، أعلن البرلمان الكوري الشمالي عن قانون جديد يعطي الحق في توجيه ضربة نووية وقائية إذا واجهت كوريا الشمالية تهديدًا وشيكًا. يعتبر هذا القانون جزءًا من العقيدة الجديدة التي توضح أن أسلحتها النووية هي جزء أساسي من سياسة الردع الوطنية، في ظل استمرار التوترات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وحلفائهم.

 

دول النادي النووي

بناء على ما سبق الإشارة إليه، لا يمكن الحديث عن العقيدة النووية دون التطرق إلى دول النادي النووي، ووفق منظمة "اتحاد علماء أميركا" وموقع "NUKMAP"، يمتلك النادي النووي البالغ عددهم 9 دول، نحو 12512 رأساً نووياً، هم حسب الترتيب كالتالي:

- روسيا.. تستحوذ علي(5889)رأسًا ، تندرج عقيدتها بخيار استخدام الأسلحة النووية كضربة أولى استباقية، إذا رأت أن هناك خطرًا وجوديًا عليها، وتركز العقيدة النووية الروسية على الدفاع عن الأمن القومي، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية المحيطة بها، وفق بيانات المنظمة.

 

- الولايات المتحدة.. لديها (5224) رأسًا، وتعتمد على سياسة "الردع النووي المرن" مع الاحتفاظ بخيار الضربة الاستباقية الأولى، بحيث يمكنها الرد نوويًا في حال وجود تهديدات شديدة، سواء كانت نووية أو غير نووية، تمثل تهديدًا وجوديًا.

مع التحديث المستمر لترساناتها وتطوير تكنولوجيا الأسلحة النووية الأصغر بهدف ردع التهديدات الروسية والصينية وتوفير ردع موسع لحلفائها في آسيا وأوروبا.

 

-الصين. تتبنى الصين سياسة "عدم البدء باستخدام السلاح النووي"، وتعتبر أن الأسلحة النووية تهدف إلى الردع، وليست للاستعمال الهجومي. وتعد الصين من الدول التي تمتلك قدرات نووية محدودة نسبيًا مقارنةً بالولايات المتحدة وروسيا، ب 410 رأسًا.

الحق في الضربة الأولى

- فرنسا والمملكة المتحدة.. تمتلك فرنسا نحو 290 رأسًا بينما تمتلك المملكة المتحدة نحو 225 رأسًا، تعتمد كلا منهما عقيدة نووية تركز على الردع، وهما من الدول الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على القدرات النووية للولايات المتحدة وحلف الناتو، ولكن تمتلكان قوة ردع نووية مستقلة تضمن الدفاع عن مصالحهما الوطنية الأساسية.

- باكستان.. تملتك نحو 170 رأسا نووية، وتتبني قدرة ردع متعددة المستويات تتضمن استخدام الأسلحة النووية التكتيكية، ثم الانتقال إلى مستوى أعلى من التهديدات إذا استدعت الظروف، تعتمد هذه السياسة على تطوير قدرة باكستان على الاحتفاظ بتوازن قوة كافٍ لمنع الهند من التصعيد مع الاحتفاظ بحق "الضربة الأولى".

- الهند.. تلتزم بسياسة "عدم البدء بالاستخدام النووي" بعدد رؤوس ( 164)، لكن مع الاحتفاظ بالحق في الرد في حال تعرضت لهجوم نووي. كما تسعى للحفاظ على قوة ردع قوية في مواجهة جيرانها، وخاصة باكستان والصين.

- كوريا الشمالية.. رغم كونها حديثة العهد نسبيًا في النادي النووي، إلا إنها تعتمد سياسة "الردع النووي" ب(30)رأسًا، وتهدد باستخدام الأسلحة النووية في حال تعرضها لهجوم. الغموض النووي

-إسرائيل.. دولة من خارج النادي النووي، إذ تعتمد سياسة "الغموض النووي"، بمعنى أنها لم تعلن رسمياً عن امتلاكها للأسلحة النووية ولم تنفِ ذلك أيضًا، وقدرت المنظمة الدولية عدد الرؤوس التي تمتلكها دولة الاحتلال بنحو90 رأسًا.

والعقيدة النووية لدولة الاحتلال، تضم بجانب ما تتميز به الدول الأخرى، العمل على منع الدول الإقليمية الأخرى من تطوير أسلحة نووية، وذلك حفاظًا على تفوقها العسكري النوعي.