في صفحات الصحافة المصرية قبل أكثر من قرن، سجلت جريدة «الأهرام» واحدة من أهم المحطات السياسية في تاريخ منطقة جنوب القوقاز، حين تابعت جهود جمهورية أذربيجان الديمقراطية الناشئة للحصول على الاعتراف الدولي عقب إعلان استقلالها في 28 مايو 1918.

ويؤكد إلفين سلطانوف الباحث فى معهد الاستشراق التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم فى أذربيجان فى دراسة بحثية عنوانها «جمهورية أذربيجان الديمقراطية فى الصحافة المصرية فى زمنها» أنه في أعقاب انهيار الإمبراطورية الروسية، اتجهت شعوب جنوب القوقاز إلى البحث عن طريقها نحو الاستقلال وتقرير المصير. وفي هذا السياق، تشكل المجلس الوطني الأذربيجاني برئاسة محمد أمين رسولزاده، ليعلن قيام جمهورية أذربيجان الديمقراطية، التي دخلت التاريخ بوصفها أول جمهورية برلمانية ديمقراطية في الشرق الإسلامي.
وقد نص إعلان الاستقلال، الذي اعتمد في مدينة تفليس في 28 مايو 1918، على مبادئ متقدمة في ذلك الوقت، شملت إقامة نظام جمهوري، وضمان الحقوق المدنية والسياسية لجميع المواطنين دون تمييز بسبب القومية أو الدين أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية، فضلاً عن تأكيد حق الشعوب المختلفة المقيمة داخل الدولة في التطور الحر.
ومن أبرز الإنجازات التي حققتها الدولة الوليدة منح المرأة حق الانتخاب والترشح، لتصبح أذربيجان أول دولة في الشرق الإسلامي تمنح النساء حقوقاً سياسية كاملة، في خطوة سبقت بها العديد من الدول الأوروبية.
ويضيف إلفين سلطانوف: ولم تغب هذه التطورات عن اهتمام الصحافة المصرية، حيث نشرت جريدة «الأهرام» في عددها الصادر بتاريخ 27 يوليو 1919 تقريراً بعنوان «حكومة أذربيجان.. وفدها في باريس يطلب الاستقلال»، تناولت فيه جهود الوفد الأذربيجاني المشارك في مؤتمر الصلح بباريس، وألقت الضوء على النظام البرلماني القائم آنذاك في البلاد.
وأشار التقرير إلى أن البرلمان الأذربيجاني كان يتكون من 120 نائباً يمثلون مختلف مكونات المجتمع، كما لفت إلى مشاركة المرأة في العملية الانتخابية، وهو ما عكس الطبيعة الديمقراطية للتجربة السياسية الأذربيجانية في سنواتها الأولى.
وضم الوفد الأذربيجاني إلى مؤتمر الصلح عدداً من الشخصيات البارزة، من بينهم علي مردان بك طوبجيباشيف، رئيس الوفد، ومحمد حسن بك حاجنسكي، وأكبر آغا شيخ الإسلاموف، ومير يعقوب مهدييف، ومحمد محرموف، وجيهون بك حاجيبايلي، حيث سعوا إلى نقل تطلعات الشعب الأذربيجاني إلى المجتمع الدولي والحصول على الاعتراف الرسمي باستقلال دولتهم.
ويقول إلفين سلطانوف: وقد أثمرت هذه الجهود عن اعتراف المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح في باريس، في 11 يناير 1920، بجمهورية أذربيجان الديمقراطية كأمر واقع، في خطوة شكلت إنجازاً مهماً للدبلوماسية الأذربيجانية الفتية.
ورغم أن عمر الجمهورية لم يتجاوز ثلاثة وعشرين شهراً، فإنها تركت إرثاً سياسياً ودستورياً لا يزال حاضراً في وجدان الدولة الأذربيجانية الحديثة، التي تعتبر نفسها الامتداد السياسي والقانوني لتلك الجمهورية التاريخية.
وبذلك، تبقى تغطية الصحافة المصرية، وعلى رأسها جريدة «الأهرام»، شاهداً مهماً على مرحلة مفصلية في تاريخ أذربيجان، ودليلاً على اهتمام مصر المبكر بمتابعة التحولات السياسية الكبرى في منطقة القوقاز والعالم.




