بعدألاسكا..هل تكون جرين لاند "الجائزة الثانية" لأمريكا بالقطب الشمالى؟

صورة موضوعية
صورة موضوعية

ليست ألاسكا وحدها التي اشترتها الولايات المتحدة الأمريكية من روسيا بسبعة ملايين دولار عام 1867، حجر الزاوية في التنافسية بين القوي الكبري بمنطقة القطب الشمالى بل هناك جزيرة أخري تتعدد ثرواتها من المعادن الطبيعية والنفط والغاز وهي جزيرة جرين لاند ذات الحكم الذاتي في الدنمارك. 

تعتبر جرين لاند من أكبر الجزر الموجودة بالعالم، تبلغ مساحتها 2 مليون كيلومتر مربع ، تكتسب أهميتها الاستراتيجية في القطب الشمالي بسبب موقعها الجغرافي الفريد، حيث تعد بوابة بحرية مهمة بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي وتقع بين أمريكا الشمالية وأوروبا، ما يجعلها نقطة رئيسية للمراقبة والاتصالات في المنطقة القطبية. بالإضافة إلى مواردها الطبيعية حيث يشكل ذوبان الجليد المتسارع فرصة لفتح ممرات بحرية جديدة تسهم في تقليل المسافات بين أوروبا وآسيا، ما يزيد من الاهتمام الدولي بالمنطقة.

وفي مقال لمجلة ناشيونال انترست لثلاثة من كبار المسؤولين وهم كوش أرها هو رئيس منتدى المحيطين الهندي والهادئ، و ألكسندر جراي رئيس أركان مجلس الأمن القومي الأميركي و توم دانس مستشار وكيل وزارة الخزانة، يعددون أهمية الجزيرة، حيث يرون أن المصالح الأمنية الأميركية والطموحات الاقتصادية لجرينلاند تستلزم شراكة مؤسسية بين البلدين.

 كما يعتبرون أنها جزء من أمريكا الشمالية من حيث الطموح والجغرافيا وأنه حان الوقت لترسيخها في مدار أمريكا الشمالية، ولمجابهة الطموح الروسي الصيني بالمنطقة .

 

- حلفاء الناتو

تشترك جرينلاند مع دول القطب السبع في حلف شمال الأطلسي "NATO" ، كندا والولايات المتحدة والدنمارك وايسلندا والنرويج وفنلندا والسويد مع روسيا في حدود تقترب من 16 ألف كيلو متر، تطل روسيا وحدها علي 6 آلاف كيلومتر ما ينذر بمواجهة محتملة بين الحلف وموسكو. 

سيما مع التفوق الروسي بكاسحات الجليد ، إذ تمتلك 42 واحدة منها الأمر الذي دعا الولايات المتحدة إلي عقد ميثاق ICE في يوليو الماضي، مع كندا وفنلندا- المنضمة حديثا للحلف- إلي بناء أكثر من 90 كاسحة جليد خلال ثلاث سنوات. 

- محددات مؤثرة 

كما تكمن أهميتها الجزيرة باعتبارها مصدرًا أساسيًا للمعادن المهمة للولايات المتحدة لضمان رياداتها في صناعة أشباه الموصلات، وهو ما يضاهي سيطرة الصين علي المعادن النادرة حيث تسيطر على نحو 80% من إمدادات المعادن النادرة العالمية، سواء ما تقوم بتعدينه من مواردها، أو عمليات فصل العناصر من المواد الخام في دول أخري، مقابل المساهمة في البنية التحتية لهم وفق تقرير وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الأميركية عام 2021.

 

- ألاسكا نافذة أمريكا القطبية

تطل الولايات المتحدة، على القطب الشمالي من خلال ولاية ألاسكا، التي تتمتع بساحل واسع في المنطقة القطبية، والتى لولا شرائها من الروس علي يد وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد لما أصبح لها إطلالة علي القطب المتجمد حيث تبعد الولاية الأمريكية عن جزيرتي ديوميد الصغرى والكبرى الروسيتين غير 4 كيلومترات.

الأمر الذي جعل روسيا حتي الآن تطالب بها وذاك بإجراء استفتاء علي استعادتها وذلك في يناير 2024.

يمتد الساحل الأمريكي المطل على القطب الشمالي بطول يزيد عن 700 ميل (1126 كيلومتر) على بحر بوفورت وبحر تشوكشي.

 - جرين لاند وطموح الاستقلال

 يرجع تاريخ وقوع الجزيرة تحت السيادة الدنماركية منذ القرن الثامن عشر، حينما بدأت الدنمارك تعزيز نفوذها فيها.

- عام 1814، وبموجب معاهدة كيل، أصبحت جرينلاند رسميًا جزءًا من الدنمارك بعد أن كانت تحت حكم مشترك مع النرويج في فترة الاتحاد بين الدنمارك والنرويج. بعد ذلك، تم تثبيت السيطرة الدنماركية بالكامل في جرينلاند، واستمر ذلك حتى منتصف القرن العشرين عندما بدأت جرينلاند الحصول على بعض الصلاحيات الإدارية.

- في 1979، حصلت جرينلاند على الحكم الذاتي لأول مرة، ما منحها سلطات لإدارة شؤونها الداخلية. 

- وفي عام 2009، تم تعزيز هذا الحكم الذاتي بموجب قانون جديد وسّع من صلاحيات حكومة جرينلاند، لكنه أبقى مجالات الدفاع والسياسة الخارجية تحت مسؤولية الدنمارك، بالإضافة إلي الدعم المالي لتغطية جزء كبير من ميزانيتها.

- تأتي مساعيها نحو الاستقلال بخطي ثابتة، نحو المزيد من الاستقلال، والذي يعتمد على قدرتها في تحقيق الاكتفاء المالي وتطوير اقتصاد مستدام بعيداً عن الدعم الدنماركي.

 

 

- محفزات أساسية 

 ينوه الكُتاب، أن الاستثمارات والأسواق الأمريكية تعد محفزات أساسية لتعزيز النمو الاقتصادي والازدهار في الجزيرة من خلال شراكتهما المؤسسية على المدى الطويل، عبر اتفاق الارتباط الحر بين الولايات المتحدة وجرينلاند (COFA) ، والثاني هو دمج جرينلاند في الاتفاقية الأمريكية المكسيكية الكندية (USMCA).

ويري الكُتاب أن دور الجزيرة يعادل إن لم يكن أكبر من الدور الذي تلعبه دول بالاو المرتبطة بحرية في المحيط الهادئ، وجزر مارشال، وولايات ميكرونيزيا الموحدة.

حيث دخلت هذه الجزر في اتفاق الارتباط الحر (COFA) مع واشنطن، ما يمنح الأخيرة حق الوصول العسكري الحصري إلى أراضيها، والأهم من ذلك، الحق في رفض هذا الوصول إلى القوى الأخرى. 

وفي المقابل، تتلقى الدول "المرتبطة بحرية" مساعدات تنموية اقتصادية واستثمارات كبيرة من الولايات المتحدة.

الامر الذي قد يمكن الجزيرة من استقلالها ماديا وأمنيا وبالتالي انفصالها عن الدنمارك.

- ركيزتان لا غني عنهم

تمثل ألاسكا وجرينلاند ركيزتين لا غنى عنهما للمصالح الأمنية الأمريكية في القطب الشمالي، حيث تشهد كل منهما أنشطة متنامية ومنسقة من قبل موسكو وبكين وذلك للوصول إلي طرق الملاحة العالمية، كما طلبت لجنة الصين بمجلس النواب مؤخرًا من وزيري الدفاع والخارجية تقييم ومعالجة أنشطة البحث والمراقبة الصينية ذات الغرض المزدوج في محطات الأبحاث في أيسلندا وسفالبارد بالنرويج. 

 إن مثل هذا الترتيب الاقتصادي والأمني ​​الشامل مع جرينلاند يشكل الآلية الصحيحة في وقت حيث تتنامى المغامرات الروسية والصينية في أقصى الشمال، وتحتاج الولايات المتحدة إلى وجود مستقر في الجزء العلوي من شمال الأطلسي، ومن الأفضل للإدارة المقبلة أن تبدأ هذه المحادثات المهمة بشكل جدي .