تتداول العديد من التقارير الإعلامية حجم التبرعات التي جمعتها كلا من الحملة الانتخابية للمرشحين للرئاسة الأمريكية سواء الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب أو نائب الرئيس الحالي الديمقراطية كامالا هاريس وكيف كلا منهما يتسابق لجمع أكبر قدر ممكن من الأموال، حيث تلعب الأموال دورا مهما في التأثير علي الانتخابات.
ووفقا لوكالة رويترز ، جمعت حملة هاريس الانتخابية جمعت قرابة 540 مليون دولار، منذ أن أصبحت المرشحة الرئاسية لحزبها، وهو مبلغ مالي غير مسبوق يعكس حماس المتبرعين قبل الاقتراع الرئاسي في الخامس من نوفمبر.
أما حملة ترامب صرحت بجمعها 327 مليون دولار، ما يتدافع إلي الأذهان عن كيفية صرف الأموال، وتنظيمها والرقابة عليها، والعلاقة بين المساهمات في الحملة الانتخابية وصنع القرار الرئاسي حيث يعتبر موضوع نقاش مستمر في السياسة الأمريكية.
- تنظيم العملية الانتخابية
تشكل لجنة الانتخابات الفيدرالية "FEC- federal election commission" - هيئة مستقلة تأسست عام 1975- دورا أساسيا في تنظيم التبرعات سواء كانت من الأفراد أو لجان العمل السياسي بفرعيها، وضمان عدم تقديم تبرعات خارجية لدعم مرشح بعينه.
تشمل مسؤولياتها :
- تنظيم التبرعات تضع اللجنة حدودًا للتبرعات من الأفراد، الشركات، والنقابات، وتفرض القواعد الخاصة بتقديم التقارير حول التبرعات والإنفاق، فضلا عن الإفصاح المالي للجمهور في حالة تجاوز الحد المسموح.
- مراقبة الالتزام بالقوانين وفرض العقوبات في حالة انتهاكها وإحالاتها إلي وزارة العدل، لضمان نزاهة الانتخابات.
من خلال القواعد السابقة يقوم المرشحون للمناصب السياسية بجمع الأموال لتمويل حملاتهم وإظهار مدى الدعم حيث تختلف قوانين تمويل الحملات الانتخابية ، من حيث المساهمة ، ومقدارها، وكيفية الإبلاغ عن قيمتها.
وهنا يأتي تصنيف التبرعات حيث تنقسم بين شقين:
١- الأفراد :
تضع لجنة الانتخابات الفيدرالية قواعد التبرعات للأفراد وتعدل دوريا وفقا للتضخم والظروف الاقتصادية.
ويمكن للفرد أن يتبرع للمرشحين بمبلغ 3300 دولار لكل انتخابات بصيغة منفصلة سواء تمهيدية أو عامة ليصل إجمالي المبلغ إلي 6600 دولار.
- كما يمكنه أن يتبرع للجان العمل السياسي ب 5000 دولار سنويا.
- فضلا عن التبرعات غير المحدودة من الأفراد والشركات والنقابات، للجان العمل السياسي الفائقة، نظرا لعدم اتصالها المباشر بالمرشحين.
- كما يمكن للأفراد تقديم المساهمات للأحزاب السياسية بمبلغ يصل ل 41,300 دولار سنويا، بالإضافة إلي 10 الاف دولار اللجان الحزبية او الحكومية سنويا.

2- اللجان وتنقسم إلي اثنين:
في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تلعب لجان العمل السياسي ولجان العمل السياسي الفائقة أدوارًا مهمة في تمويل الحملات الانتخابية، ولكن يكمن الفرق بينهما بأن لجان العمل السياسي الفائقة لا يوجد لها حدود بالانفاق كما أنها ممنوعة من التنسيق المباشر مع المرشحين.
- القيود والقواعد التي تحكم كل نوع:
أ - لجان العمل السياسي (political action committee " PAC"
تتعلق القيود بمحدودية الإنفاق حيث لا يتعدي المبلغ 5 آلاف دولار لكلا من الفرد أو المؤسسة.
كما يمكنها الإنفاق لدعم أو معارضة مرشحين، مع خضوعها لقواعد صارمة بشأن التعاون المباشر مع الحملات الانتخابية للمرشحين.
تُستخدم الأموال التي تجمعها PACs بشكل أساسي لتمويل الإعلانات، والدعاية، ودعم المرشحين أو القضايا السياسية من خلال طرق مباشرة وغير مباشرة.
ب - لجان العمل السياسي الفائقة super political action committee "super PAC"
- جمع أموال غير محدودة وحظر الاتصال المباشر مع المرشحين ، وإنفاقها في الإعلانات لدعم أو معارضة مرشحين أو قضايا معينة.
- ويتعين على اللجان التي تتلقى أموالا عامة أن توافق على الالتزام بحدود الإنفاق بالاحتفاظ بسجلات مفصلة لأنشطتها المالية، وبعد الانتخابات، تراجع لجنة الانتخابات الفيدرالية كل لجنة ممولة من المال العام، وإذا كشف التدقيق عن تجاوز إحدى اللجان لحدود الإنفاق أو استخدام الأموال العامة لأغراض غير مسموح بها، تسدد غرامة قد تصل لملايين الدولارات.
من يُشكل لجان العمل السياسي؟
تتشكل من قبل مجموعة متنوعة من الأفراد " رجال أعمال - نشطاء سياسيين" أو منظمات أو شركات أو النقابات لدعم مرشح معين أو قضية ما.
كما يحظر علي الشركات وغيرها من الكيانات أن تتبرع من خزائنها ولكن يسمح لموظفيها وأعضاءها الإنفاق من أموالهم الخاصة.
وغالباً ما يتم تأسيس Super PACs من قبل الأفراد الأغنياء أو تحالفات الأعمال الكبيرة التي ترغب في التأثير بشكل كبير على الانتخابات، من خلال إنفاق مبالغ غير محدودة، على أن يكون ذلك دون تنسيق مباشر مع المرشحين أو حملاتهم.
وإستنادا لما سبق، يأخذنا إلي كيفية تأثير حجم وقيمة التبرعات في توجهات الرئيس القادم، وهو ما نراه حاليا في نوعية الكيانات والشركات المتبرعة سواء للمرشحين ترامب وهاريس وكيفية التوجهات المستقبلية لكلا منهما حيث يلعب الاقتصاد دورا محوريا في توجهات ونوعية المتبرعين.

دونالد ترامب:
يدعم ترامب أثرياء الأعمال الحرة والمستثمرون العقاريون مثل " شيلدون أديلسون" مالك كازينوهات لاس فيجاس، " روبرت ميرسر دعم ترامب منذ 2016 لمعارضة هيلاري كلينتون، فضلا عن شركات الطاقة من نفط وفحم، وجماعات الضغط الدينية والمحافظة المناهضة للإجهاض.
كما أعلن الرئيس السابق ترامب في حال فوزه، عن إسناد مهمة إدارية لرجل الأعمال إيلون ماسك والذي بدوره رد بمنشور علي إكس " أنا بالخدمة" وسط تكهنات من حصوله علي وعود ترفع عنه القيود التي واجهتها شركاته.
أما كامالا هاريس:
استمدت معظم دعمها من قطاعات التكنولوجيا، وموظفيها مثل أبل وفيسبوك وجوجل، والنقابات العمالية، بالإضافة إلى هوليوود ونجوم الإعلام، وذلك بسبب مواقفهم المؤيدة للسياسة التقدمية في مجالات البيئة وحقوق الإنسان.
خلفيتها السابقة، كمدعي عام لسان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، اكتسبت تأييد المحامون والقضاة المدافعون عن الحقوق المدنية.
لذلك من الممكن ان تؤثر الجهات المانحة الرئيسية أو دوائر جمع التبرعات، علي أولويات الرئيس، على سبيل المثال، فإذا ساهمت صناعة أو مجموعة معينة بشكل كبير في الحملة، فقد يركز الرئيس على التشريعات التي تفيد هذا القطاع.

ومن الأمثلة التاريخية:
1- بيل كلينتون والجدل حول تمويل الحملة الانتخابية لعام 1996
أثناء حملة إعادة انتخاب بيل كلينتون عام 1996، كانت هناك مخاوف كبيرة بشأن تأثير التبرعات الكبيرة على قرارات إدارته. وتركز الجدل حول أنشطة جمع التبرعات التي شملت تبرعات من مواطنين أجانب، وهو أمر غير قانوني بموجب القانون الأمريكي، ومساهمات مشكوك فيها من مانحين أثرياء لهم علاقات مع حكومات أجنبية.
إذ كانت هناك قرارات بمنح تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة للمواطنين الأجانب الأثرياء الذين قدموا تبرعات كبيرة للجنة الوطنية الديمقراطية (DNC). وزعم المنتقدون أن هؤلاء المانحين حصلوا على وصول خاص ومعاملة تفضيلية، ما أثار مخاوف بشأن الأمن القومي ونزاهة العملية السياسية.
وأدى هذا الجدل إلى إجراء تحقيقات في الكونجرس وتدقيق إعلامي كبير. على الرغم من عدم وجود دليل قاطع يربط كلينتون بشكل مباشر بأي أنشطة غير قانونية، فقد سلطت الفضيحة الضوء على التأثير المحتمل للمال على القرارات الرئاسية وساهمت في الضغط من أجل إصلاح تمويل الحملات الانتخابية.
2- جورج دبليو بوش وصناعة الطاقة
تلقت الحملات الرئاسية لجورج دبليو بوش في عامي 2000 و2004 دعمًا ماليًا كبيرًا من صناعة الطاقة، بما في ذلك شركات النفط والغاز. وكانت هذه الصناعات من المساهمين البارزين في حملة بوش وكانت متوافقة بشكل وثيق مع سياسات إدارته محليا ودوليا.
3- باراك أوباما ووول ستريت
خلال انتخابات عام 2008، تلقى باراك أوباما دعمًا ماليًا كبيرًا من شركات وول ستريت، لا سيما في المراحل الأولى من حملته الانتخابية. وعلى الرغم من ترشح أوباما لبرنامج التغيير والإصلاح، فقد استفادت حملة أوباما من تبرعات كبيرة من القطاع المالي.
وفي خلال الأزمة المالية العالمية 2008،واجهت إدارة أوباما التحدي المتمثل في تنظيم الصناعة المالية. جادل النقاد بأن استجابة الإدارة للأزمة، بما في ذلك إنقاذ البنوك الكبرى وصياغة قانون دود-فرانك لإصلاح وول ستريت وحماية المستهلك، تأثرت بمصالح المانحين في وول ستريت. ورأى البعض أن الإصلاحات لم تقطع شوطاً كافياً في الحد من قوة المؤسسات المالية الكبيرة، مما يشير إلى أن تأثير المانحين ربما لعب دوراً في تشكيل السياسة.
4- دونالد ترامب وصناعة الفحم
تلقت حملة دونالد ترامب الرئاسية لعام 2016 دعمًا ماليًا قويًا من صناعة الفحم والقطاعات ذات الصلة. لقد اعتمد ترامب حملته الانتخابية على وعود بإحياء صناعة الفحم، وإلغاء الأنظمة البيئية، وتشجيع إنتاج الوقود الأحفوري.
كما انسحب من اتفاقية باريس للمناخ وألغي اللوائح البيئية التي فرضها عهد أوباما، وتعزيز السياسات التي تفضل إنتاج الفحم . وكان يُنظر إلى هذه الإجراءات على نطاق واسع على أنها وفاء بالوعود التي قطعها لمؤيديه في صناعة الفحم.
5- جو بايدن وصناعة التكنولوجيا
تلقت حملة جو بايدن لعام 2020 مساهمات كبيرة من صناعة التكنولوجيا، بما في ذلك تبرعات كبيرة من المديرين التنفيذيين في شركات مثل Facebook وGoogle وAmazon. وكان قطاع التكنولوجيا أحد أكبر مصادر التمويل لحملة بايدن.
حيث واجهت إدارته، تدقيقًا بشأن نهجها في تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى. وبينما كانت هناك ضغوط من داخل الحزب الديمقراطي لاتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن قضايا مثل إنفاذ قوانين مكافحة الاحتكار والخصوصية.
وتوضح هذه الأمثلة كيف يمكن أن يؤثر جمع التبرعات وتأثير المانحين على القرارات الرئاسية. وفي حين أنه من الصعب في كثير من الأحيان رسم خطوط مباشرة بين التبرعات ونتائج سياسية محددة، فإن تصور النفوذ يظل يمثل قضية مهمة في السياسة الأمريكية.




