كتبت - صفاء عبد الرازق:
الملحمة الشعبية هي الوجبة المفضلة لدى جمهور السينما، وهناك تاريخ يربط بينهما منذ عقود، لكن فيلم "ولاد رزق 3 القاضية" هو الطعم اللذيذ المحبب الذي ساهمت فيه السوشيال ميديا عبر الانتشار السريع، هذا العام 2024.
سيطرة ذكورية وسلطة مادية
ولسبب ما سيطرت السينما الذكورية في العالم كله، فأصبح هذا المنهج يسود التشكيل السينمائي، حيث تسببت هذه السيطرة في جعل النساء في المرتبة الأقل أهمية في العمل السينمائي، وكأنهن جزء من الديكور المجرد الذي يحمل نمطية المرأة في قالب من قوالب الاستهلاك الجسدي والبعد عن المضمون، فكلما حاولت السينما أن تضع معايير جديدة لإنقاذ المرأة من سيطرة الرجل على الشاشة؛ تراجعت.
فيلم "ولاد رزق 3 القاضية"، عمل جذاب من حيث مضمون الإنتاج الضخم، ويقدم وجبة خفيفة سريعة الهضم من حيث الظهور المحبب لدى بعض من الجمهور، حيث لجأ المخرج وكاتب السيناريو لشكل من أشكال السيطرة الذكورية والسلطة المادية، التي تستحوذ على مشاعر المشاهد أثناء الفيلم، من أكشن وإثارة وبعض من الإيحاء الجنسي واللفظي، والإفيهات الجنسية التي تضمن الانتشار والنجاح.
لكن مع كل هذا الإنتاج الضخم لا توجد قصة، فاعتمد الفيلم على إثارة الجمهور وسعيه وراء الانتصار المزيف للبطل، وتوريطه في مشاعر أكبر من استيعابه لهذا الانتصار الذي يجعل من المشاهد بطلًا خفيًا "مزيفًا" يسعى إلى التحقق والانتصار والسعي وراء المال الذي يأتي بشكل سهل وبسيط مثل أبطال "ولاد رزق"، الإثارة أيضا في ظهور بطل هوليودي "الملاكم البريطاني العالمي تايسون فيوري" الذي يشكل النموذج الأضعف في القصة، حيث كان ينتصر عليه "ولاد رزق" بكل سهولة ويسر، وهذا يستدعي التفكير في البعد الشعبي الذي أبرزه الموروث الثقافي لحكايات عمنا نجيب محفوظ في الحرافيش والفتوة، عن البطل الشعبي الذي لا يقهر.
إبهار بصري مؤقت
حتى في السينما الأمريكية، تظل القصة المحور الأساسي لأشهر أفلام الأكشن في تحريك الأحداث عبر تفاعل الجمهور معها، ليصل المتفرج مع البطل إلى مراده، -حيث يتورط الجمهور مع البطل في تحقيق غايته حتى لو كانت ضد مبادئه ومفاهيمه التي تحمل الصواب والخطأ-، لكن "ولاد رزق" يعتمد على الإبهار البصري والعناصر البصرية المؤقتة دون التركيز الكبير على التطور العميق للشخصيات أو القصة.
لا يعيب المخرج طارق العريان وغيره، أن يكون متحمسًا ومتحيزًا للسينما الأمريكية، بكل أنماطها وتركيباتها المستمرة، لكنه استخدام نماذج نمطية للنساء فى الفيلم، يدل على الاستخفاف والاستهتار بالمرأة وتشكيلها الأساسي، باختيار نماذج غير جيدة، للشخصيات التي شاهدناها في الفيلم؛ من امرأة تسعى فقط لجذب انتباه زوجها والأخرى لا تثق بنفسها؛ فرغم علمها أن خطيبها متعدد العلاقات، تتزوجه فى نهاية الفيلم.
الحنجورية المضطربة
كان للفيلم النصيب الأكبر من ظهور نجومٍ؛ كلٍ منهم يستطيع حمل فيلم بمفرده، إذ حاول الفيلم أن يقدم وجبة "كومبو" سريعة الهضم، لكن كان لكل بطل "شخصية" منهم تأثيره السلبي في التعبير عن عاداته وتقاليده التي نشأ بها ومعها، إذ تتشكل كل شخصيته منهم عبر استخدام حنجرة ذكورية قوية في تعنيف زوجته وتهديدها منذ الجزء الأول.
وأبرز المؤلف صلاح الجهيني، أيضًا، نموذجًا مضطربًا لأنثى تسعى فقط للنيل من خطيبها مقابل مشاعر سطحية، ولا يتوقف المؤلف عن وضع شخصيات كرتونية للمرأة، مقابل شخصيات ذكورية تميل إلى المراة المطيعة عن غيرها، وهذا يعكس الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لشرائح متعددة لديها مشاكل تظهر في فهمهم للمجتمع وتنميطه وفق ذكوريتهم.
ولهذا الفيلم "حاوي" يغير في تشكيل خط الأحداث، متمثل في شخصية سلطان الغول "أحمد الرافعي" الذي يجسد روحًا جديدة لجذب شريحة أخرى من الجمهور، باستخدام تكنيك مغاير؛ باللعب بالشخصية المثقفة التي تميل إلى العنف الهادئ البطيء، عبر التنافس مع "علي صبحي" الذي أبدع في تجسيد شخصية كوري.
والحقيقة أن الإضاءة والديكور، شكلت البطل الحقيقي للفيلم، من استخدامات أماكن تصوير مختلفة تعكس إبهارًا بصريًا وحسيًا بتصوير خارجي من مدينة الترفيه في العاصمة السعودية الرياض، لعالم الهكر المنتشر في العالم من خلال شخصية النونو"أحمد فهمي"، ولا ننكر أبدا أداء الشايب "آسر ياسين" الذي كان له تأثير مختلف، وساعد في ذلك الديكور المستوحى من ديكورات هوليودية بامتياز، أما ديكور المخزن الذي بدأت فيه رحلة "ولاد رزق" وتم فيه خداع المعلم صقر "سيد رجب"، فكان له أيضًا تأثير على عقل المشاهد.
فرض أفكار رجعية
يظل "ولاد رزق" عالقًا في أذهان البعض بسبب إنتاج ضخم مثير للاهتمام، فيما يستحوذ الفيلم على اهتمام الجمهور بفضل قصته الملحمية والشخصيات القوية، لكنه يمرر أفكارًا رجعية مثل وضع النساء في مأزق القبول من رجل متعدد العلاقات، وآخر يلعب دور سي السيد، السؤال ها: كيف يرى المنتجون النساء عبر شباك التذاكر؟.

صفاء عبد الرازق
ناقدة وعضو مجلس إدارة جمعية الفيلم



