أخر الأخبار

تراجع أسعار النفط الخام لمستويات قياسية مقابل تصاعد سريع للمشتقات

انخفاض أسعار النفط الخام
انخفاض أسعار النفط الخام

سجلت هوامش التكرير ارتفاعات قياسية مدفوعة بانخفاض أسعار النفط الخام، بالتزامن مع استمرار محدودية إمدادات البنزين والديزل ووقود الطائرات.
و من غير المرجح أن يستمر اختلال أسواق النفط إلى أجل غير مسمى، إذ إن زيادة معدلات تشغيل المصافي ستؤدي تدريجيًا إلى امتصاص فائض المعروض من النفط الخام.

و يشير  موقع "أويل برايس" إلى أن شركات تكرير النفط تستفيد حاليًا من إحدى أكثر الفترات ربحية خلال السنوات الأخيرة، في ظل تراجع أسعار النفط الخام إلى مستويات ما قبل اندلاع الحرب مع إيران، مقابل استمرار ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ولا سيما البنزين والديزل ووقود الطائرات.

وقد أسهم هذا التفاوت بين أسعار الخام والمنتجات المكررة في اتساع هوامش التكرير إلى مستويات استثنائية، مما أتاح للمصافي تحقيق أرباح كبيرة وغير متوقعة عقب فترة وجيزة من إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف تدفقات النفط إلى الأسواق العالمية.

وتجاوز "مؤشر الفارق السعري الأمريكي 1-2-3"، وهو مقياس رئيس يُستخدم على نطاق واسع لتقييم ربحية عمليات التكرير مستوى 60 دولارًا للبرميل مؤخرًا، وهو أعلى مستوى في تاريخه، كما امتدت مكاسب مماثلة إلى أوروبا وآسيا، وأصبح كل برميل من النفط الخام تتم معالجته يحقق عوائد مرتفعة بشكل غير معتاد، مدفوعًا بانخفاض تكلفة المادة الخام بوتيرة أسرع من انخفاض أسعار المنتجات النفطية المكررة.

وشهدت سوق النفط الخام تحولاً سريعًا عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في منتصف يونيو 2026، إذ تراكمت مئات الملايين من البراميل على متن الناقلات وفي مرافق التخزين المنتشرة في منطقة الخليج خلال فترة الإغلاق لمضيق هرمز التي استمرت عدة أشهر، ومع استئناف حركة الشحن، بدأت هذه الكميات تتدفق مجدداً إلى الأسواق.

ووفقًا لبيانات شركة "كبلر"، ارتفعت صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط إلى أكثر من 12 مليون برميل يوميًا في يونيو 2026، مقارنة بأقل من 8 ملايين برميل يوميًا في مايو 2026، ومن المتوقع أن تواصل الصادرات ارتفاعها خلال يوليو 2026، ويعمد المنتجون إلى طرح النفط المخزن في الأسواق بالتزامن مع إعادة تشغيل الحقول التي توقفت في أثناء الحرب، مما في خلق وفرة مؤقتة في الإمدادات النفطية لا تزال الأسواق تمتص آثارها حتى الآن.

وانعكس ذلك بوضوح على خام برنت، إذ تراجعت أسعاره إلى نحو 70 دولارًا للبرميل، وهو مستوى قريب من الأسعار التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب في إيران في أواخر فبراير 2026، وأقل بنحو 50 دولارًا من الذروة التي بلغها خلال فترة الحرب، كما شهدت الشحنات الفعلية من النفط الخام تراجعًا أكبر في الأسعار نتيجة المنافسة الحادة بين المنتجين الخليجيين على استقطاب المشترين عبر تقديم خصومات وشروط تسعير تفضيلية.

وفي المقابل، تستفيد المصافي من شراء النفط الخام بأسعار منخفضة في سوق وقود لم يتعاف بشكل كامل من الاضطرابات التي سببتها الحرب، فقد أدى تعطل عمليات التكرير لعدة أشهر، والاختناقات اللوجستية في الشحن، والصادرات الطارئة، إلى استنزاف مخزونات البنزين والديزل حول العالم، كما يتطلب إعادة بناء هذه المخزونات وقتًا أطول بكثير من مجرد تفريغ شحنات النفط الخام العالقة. فبينما يمكن لناقلة نفط أن تصل إلى المصفاة خلال أسابيع، فإن تحويل النفط الخام إلى منتجات نهائية وإعادة ملء مرافق التخزين في مناطق متعددة يمثل عملية أكثر بطئًا وتعقيدًا.

كذلك يتجلى هذا الاختلال بوضوح في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد دخلت مخزونات البنزين موسم السفر الصيفي عند أدنى مستوى لها لهذه الفترة من العام منذ أكثر من عقد، بعدما زادت المصافي الأمريكية صادراتها خلال اضطرابات مضيق هرمز لتعويض النقص في الأسواق الخارجية، كما ارتفعت فروقات أسعار البنزين إلى أكثر من 56 دولارًا للبرميل، مقتربة من المستويات التي سُجلت خلال أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

أما الديزل، فعلى الرغم من إعادة فتح طرق الإمداد في الشرق الأوسط، ما زال أحد أكبر موردي الديزل في العالم يعاني فقدان جزء مهم من طاقته التكريرية، فقد أمضت أوكرانيا أشهرًا في استهداف المصافي الروسية، ومحطات التخزين، وقطارات نقل الوقود، وناقلات النفط، والبنية التحتية المخصصة للتصدير بشكل ممنهج.

وبحسب تقديرات الأسواق، انخفضت معدلات معالجة النفط الخام في روسيا إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من 21 عامًا، وبلغ متوسط تشغيل المصافي نحو 3.91 ملايين برميل يوميًا خلال يوليو 2026، أي أقل بأكثر من 1.4 مليون برميل يوميًا مقارنة بالفترة نفسها عام 2025.

وفرضت روسيا بالفعل قيودًا على صادرات البنزين، ووضعت حدودًا واسعة على شحنات الديزل، كما أقرت بوجود نقص متزايد في الإمدادات المحلية، وشهدت بعض المناطق الروسية أعداد كبيرة من الانتظار للسيارات أمام محطات الوقود، بينما اتجهت الحكومة الروسية إلى استيراد وقود الطائرات بعد سنوات من احتفاظها بمكانة دولة مصدرة له، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه قطاع التكرير وإمدادات الوقود المحلية.

وفي هذا الإطار، فإن كل برميل ديزل يختفي من سوق التصدير يؤدي إلى تضييق المعروض في الأسواق الأخرى، وتُعد أوروبا من أكثر المناطق عرضة لهذا التأثير، لأن الديزل الروسي كان سابقًا أحد أهم مصادر الوقود المستورد لديها، وأصبحت بدائل هذه الكميات من الصعب توفيرها.

ويفسر ذلك سبب ظهور هوامش التكرير الحالية وكأنها منفصلة عن تحركات أسعار النفط الخام، ففي الوقت الذي تواجه فيه سوق النفط الخام فائضًا مؤقتًا في المعروض نتيجة طرح الكميات المخزنة وإعادة تدفق الإمدادات إلى الأسواق، لا يزال سوق الوقود يعاني تداعيات تراجع المخزونات واستمرار تعطل بعض الطاقات التكريرية خلال الأشهر الماضية. 

وفي المحصلة، تشهد سوق النفط العالمية حالة من الاختلال المؤقت بين سوق النفط الخام وسوق المنتجات النفطية المكررة، فبينما تمكنت سوق النفط الخام من التعافي إلى حد كبير من تداعيات اضطرابات الشحن التي رافقت الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، لا تزال المنتجات النفطية المكررة تواجه آثار تراجع المخزونات وتعطل بعض طاقات التكرير، وتجد المصافي نفسها في المساحة الضيقة بين هذين الواقعين المتباينين، الأمر الذي أفضى إلى تحقيق أرباح قياسية.