تؤكد التجارب الدولية أن كأس العالم لم تعُد مجرد بطولة رياضية تُقاس نجاحاتها بنتائج المباريات، بل أصبحت حدثًا اقتصاديًا تنمويًا عالميًا تتشابك فيه مصالح الحكومات والشركات والمؤسسات الاستثمارية. ورغم ما توفره البطولة من فرص استثنائية لتعزيز السياحة وجذب الاستثمارات وتسريع تطوير البنية التحتية وترسيخ الحضور الدولي للدول المستضيفة، فإن حجم المكاسب المتحققة لا يرتبط بالحدث ذاته بقدر ارتباطه بقدرة الدول على توظيفه ضمن رؤية تنموية طويلة الأجل تضمن استدامة العوائد بعد انتهاء البطولة؛ فبينما تنجح بعض الدول في توظيف البطولة كمحفز للنمو الاقتصادي وتعزيز التنافسية الدولية، تواجه دول أخرى تحديات تتعلق بارتفاع التكاليف وضعف الاستفادة من المنشآت والاستثمارات المنفذة. وبالتالي، فإن الأثر المستدام لكأس العالم لا يُقاس بما يُنفق عليها أو بما تحققه من عوائد آنية، وإنما بمدى نجاح الدول في تحويل الفرص التي تتيحها البطولة إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة تمتد آثارها على المدى الطويل.
و يشير معلومات الوزراء انه لم يعُد كأس العالم مجرد بطولة رياضية تُقاس أهميتها بعدد الأهداف أو المنتخبات المشاركة، بل أصبحت حدثًا اقتصاديًا عالميًا تتداخل فيه مصالح الحكومات والشركات والمؤسسات المالية. فمع كل نسخة جديدة تتجدد التوقعات بشأن ما يمكن أن تحققه البطولة من عوائد اقتصادية، سواء من خلال تنشيط السياحة، أو تحفيز الاستثمار، أو تسريع مشروعات البنية التحتية، الأمر الذي جعل استضافتها هدفًا استراتيجيًا تتنافس عليه الدول سعيًا إلى تعزيز مكانتها الدولية وتحقيق أهداف تنموية واسعة النطاق. غير أن التجارب الدولية تكشف أن العلاقة بين استضافة كأس العالم وتحقيق المكاسب الاقتصادية أكثر تعقيدًا مما توحي به التقديرات الأولية، وأن حجم الفوائد المتحققة يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدولة المضيفة على توظيف الفرص التي يتيحها الحدث.
و بالنسبة للأبعاد الاقتصادية لبطولة كأس العالم، من خلال استعراض مسار تحولها إلى قوة اقتصادية عالمية، وتحليل إيراداتها، والقطاعات الرابحة منها، فضلًا عن تحديد من يتحمل العبء المالي الفعلي لتنظيمها.
التحول من حدث رياضي إلى قوة اقتصادية عالمية:
تكتسب بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 أهمية استثنائية باعتبارها أكبر نسخة في تاريخ البطولات؛ حيث تُقام للمرة الأولى بصورة مشتركة بين ثلاث دول وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، والمكسيك، وكندا، وتشهد مشاركة 48 منتخبًا يتنافسون في 16 مدينة مستضيفة في توسع غير مسبوق يعكس النمو المتواصل لهذا الحدث العالمي. وتُشير تقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) إلى إمكانية تحقيق آثار اقتصادية واسعة، والتي تتمثل في تحسين الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فضلًا عن المساهمة في توفير ما يقارب 824 ألف فرصة عمل بصورة مباشرة وغير مباشرة، من خلال الأنشطة الاقتصادية والقطاعات المرتبطة بتنظيم البطولة واستضافتها.
إيرادات بطولات كأس العالم للاتحاد الدولي لكرة القدم:
ارتفعت إيرادات الاتحاد الدولي لكرة القدم بنسبة 18% بين بطولة كأس العالم 2018 في روسيا وبطولة كأس العالم 2022 في قطر، لتصل إلى 7.5 مليار دولار أمريكي. كما يشير أحدث تقرير للاتحاد الدولي لكرة القدم إلى أن إيرادات الدورة الممتدة لأربع سنوات (2023 – 2026) من المتوقع أن تبلغ نحو 13 مليار دولار، مقارنةً بنحو 7.5 مليار دولار خلال الدورة السابقة، بما يمثل زيادة قدرها 73%.
وتجدر الإشارة إلى أن ارتفاع عدد مباريات البطولة الحالية من 64 مباراة إلى 104 مباريات، أتاح للاتحاد حجمًا هائلًا من المحتوى الرياضي القابل للتسويق والبيع لشبكات البث التلفزيوني. كما أن مواعيد إقامة المباريات في البطولة الحالية أصبحت أكثر ملاءمة للأسواق الإعلامية الأعلى ربحية في كل من أمريكا الشمالية وأوروبا مقارنةً بالنسخة السابقة، فضلًا عن تبني الاتحاد الدولي لكرة القدم مجموعة من الابتكارات التجارية المهمة التي عززت مصادر دخلها، من أبرزها: توظيف منصات التواصل الاجتماعي كمصدر لزيادة الإيرادات من خلال بيع حقوق البث المباشر للدقائق العشر الأولى من المباريات عبر منصتي (TikTok) و(YouTube)، في خطوة تستهدف جذب الجماهير الأصغر سنًا وتحفيزهم على متابعة التغطية الكاملة للبطولة.
وتأتي إيرادات بيع التذاكر وخدمات الضيافة في المرتبة الثانية بعد حقوق البث، مُسجلة نحو 3 مليارات دولار أمريكي، مقارنةً بنحو 950 مليون دولار أمريكي سجلتها خلال بطولة كأس العالم في قطر 2022؛ مما يجعلها أحد أبرز المحركات الرئيسة للنمو في النسخة الحالية من البطولة. كما استفاد الاتحاد الدولي لكرة القدم من الطلب الهائل من الشركاء التجاريين والجهات الراعية، والذي سيسجل رقمًا قياسيًا قدره 2.7 مليار دولار، بالإضافة إلى 670 مليون دولار من اتفاقيات الترخيص التجاري المتعلقة باستخدام العلامة التجارية للبطولة وتسويق منتجاتها الرسمية.
والجدير بالذكر أن مستوى اهتمام المستهلكين ببطولة كأس العالم 2026 ارتفع؛ إذ أظهر استطلاع أجرته Morgan Stanley أن نحو 44% من المستهلكين في الولايات المتحدة يعتزمون المشاركة في الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالبطولة، فيما يخطط 30% من المستهلكين لمتابعة المنافسات عبر التلفزيون ومنصات البث الرقمي، فضلًا عن توقع زيادة إنفاق المستهلكين بالتزامن مع البطولة؛ فوفقًا لنتائج الاستطلاع، يتوقع 70% من الأفراد الذين يعتزمون متابعة البطولة رفع مستويات إنفاقهم في بعض الفئات الاستهلاكية، بما في ذلك الأغذية والمشروبات غير الكحولية (32%)، وخدمات توصيل الطعام (28%)، وخدمات البث المباشر (28%).
القطاعات الاقتصادية الرابحة من البطولات:
السياحة:
تُمثل السياحة المحرك الرئيس للعوائد الاقتصادية المباشرة الناجمة عن استضافة كأس العالم؛ حيث يؤدي تدفق الزوار الدوليين إلى زيادة الطلب على خدمات الإقامة والنقل والمطاعم والتسوق والأنشطة الترفيهية المختلفة؛ مما يخلق نشاطًا اقتصاديًا واسع النطاق يشمل قطاعات متعددة في الاقتصاد المحلي للدولة المستضيفة.
على صعيد كأس العالم لكرة القدم 2022، استقبلت قطر نحو مليون زائر خلال فترة البطولة، بينما أقام ما يقرب من 300 ألف زائر في دول مجاورة واعتمدوا على رحلات جوية للتنقل إلى قطر لحضور المباريات. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الإمارات، ولا سيما مدينة دبي، استقطبت ما يقارب 80% من إجمالي مشجعي البطولة الذين فضلوا الإقامة في دول أخرى ضمن مجلس التعاون الخليجي؛ مما أسهم في توسيع نطاق المكاسب السياحية لتتجاوز حدود الدولة المستضيفة.
تشير التقديرات الخاصة ببطولة 2026 إلى إمكانية استقبال أكثر من 13.1 مليون زائر، وتسجيل ما يزيد على 21.3 مليون ليلة فندقية في الدول المستضيفة.
البنية التحتية:
تُمثل مشروعات البنية التحتية أحد أبرز الأبعاد الاقتصادية المرتبطة باستضافة البطولات الرياضية الكبرى؛ حيث تُشكل هذه الأحداث حافزًا للحكومات لتسريع تنفيذ مشروعات استراتيجية في مجالات النقل والمطارات وشبكات الاتصالات والمرافق الحضرية، بما يُسهم في تعزيز جاهزية المدن وتحسين كفاءة الخدمات العامة.
على سبيل المثال، في السنوات التي سبقت كأس العالم لكرة القدم 2022، نفذت دولة قطر برنامجًا استثماريًا واسع النطاق قُدرت قيمته بما يتراوح بين 200 و300 مليار دولار، أسهم بصورة جلية في إعادة تشكيل المشهد العمراني والاقتصادي في الدولة. وتجدر الإشارة إلى أن جزءًا كبيرًا من الإنفاق على البنية التحتية المرتبط بكأس العالم صُنف ضمن خطة وطنية شاملة تهدف إلى بناء مركز إقليمي للابتكار، وشملت تطوير الفنادق وشبكات النقل الحديثة ومترو الأنفاق والملاعب والسكك الحديدية والمواني والمطارات. وفي هذا السياق، بلغت تكلفة إنشاء الملاعب المخصصة للبطولة نحو 6.5 مليار دولار، وهو ما يمثل نسبة محدودة من إجمالي الاستثمارات التي نُفذت في إطار برنامج التنمية الشامل للدولة.
الشركات الكبرى:
يتمثل المستفيد الاقتصادي الأكبر من البطولات في شركات الطيران والفنادق ومنصات الحجز الإلكتروني وشركات الملابس الرياضية وشبكات البث والإعلان؛ حيث تستفيد هذه الشركات من الارتفاع الهائل في الطلب والاستهلاك خلال فترة البطولة. كما تستفيد الشركات الراعية من الوصول إلى جمهور عالمي يقدر بمليارات المشاهدات، وهو ما يجعل كأس العالم واحدًا من أكثر الأصول التسويقية قيمة عالميًّا.
من يتحمل التكلفة الفعلية للبطولات؟
تكشف التحليلات التاريخية لبطولات كأس العالم لكرة القدم عن نمط متكرر يتمثل في تجاوز التكاليف الفعلية للتقديرات الأولية بصورة شبه دائمة. وفي هذا السياق، تُعَد الأحداث الرياضية الضخمة من أكثر المشروعات العامة عرضة لتجاوز الميزانيات المقررة؛ إذ يبلغ متوسط الزيادة في التكاليف نحو 172% مقارنةً بالتقديرات الأصلية. ويرجع ذلك إلى طبيعة هذه الفعاليات التي ترتبط بمواعيد نهائية غير قابلة للتأجيل، الأمر الذي يضطر الجهات المنظمة -عند مواجهة تأخيرات في تنفيذ مشروعات البنية التحتية- إلى تسريع وتيرة العمل وتحمُّل نفقات إضافية مرتفعة لضمان الجاهزية قبل موعد الافتتاح، بينما تتحمل الخزائن العامة العبء الأكبر لهذه الزيادات.
ويكمُن التحدي الرئيس في أن جزءً كبيرًا من البنية التحتية التي تُنشأ خصوصًا لهذه البطولات لا يحقق قيمة اقتصادية مستدامة بعد انتهاء الحدث؛ حيث تتحول العديد من الملاعب والمنشآت الرياضية إلى ما يُعرف بــ«الفيلة البيضاء White Elephants»، وهي أصول مرتفعة التكلفة من حيث التشغيل والصيانة، لكنها تتسم بمحدودية الاستخدام والعائد الاقتصادي عقب انتهاء البطولات.
والجدير بالذكر، تُعَد بطولة كأس العالم 2022 في قطر أبرز مثال على الحجم المتزايد للاستثمارات المرتبطة باستضافة الفعاليات الرياضية الكبرى؛ حيث قُدرت النفقات والاستثمارات المرتبطة بالبطولة بما يقارب 220 مليار دولار؛ مما جعلها النسخة الأعلى تكلفة في تاريخ كأس العالم. ولم يقتصر هذا الإنفاق على تشييد الملاعب الرياضية، بل جاء في إطار مشروع تنموي واسع النطاق استهدف تطوير البنية التحتية للدولة، وشمل إنشاء وتحديث شبكات الطرق، وتطوير مترو الدوحة، وبناء مدينة لوسيل، وتعزيز القدرات السياحية واللوجستية.
ورغم ما حققته البطولة من مكاسب اقتصادية ملموسة على المدى القصير، لا سيما في تنشيط السياحة ودعم النشاط الاقتصادي، فإنه يصعُب تبرير الربحية المالية المباشرة لمثل هذا الاستثمار على المدى الطويل. وفي محاولة للتعامل مع تحديات مرحلة ما بعد البطولة والحد من مخاطر فائض المنشآت الرياضية، تبنَّت قطر نهجًا استباقيًا تمثل في تصميم بعض الملاعب كهياكل قابلة للتفكيك الجزئي أو إعادة التوظيف والاستخدام مستقبلًا.



