في مارس الماضي، استهدفت مجموعة هجمات مراكز البيانات التابعة لشركات بيانات كبري في عدد من الدول ، ما كشف عن أزمة أعمق تتعلق بمستقبل البنية التحتية الرقمية العالمية، خاصة وأن هذه الهجمات أدت فورًا إلى تعطيل خدمات مصرفية ومنصات دفع إلكتروني وخدمات النقل والتوصيل.
و في هذا الصدد يشير معلومات الوزراء ان التركيز الإعلامي على الخسائر الاقتصادية أو على المخاطر التي تواجه الاستثمار التكنولوجي في الخليج أخفى السؤال الأهم، وهو: ماذا يحدث حينما تصبح البنية التحتية التي يقوم عليها الإنترنت العالمي هدفًا عسكريًّا، ومن يتحمل مسؤولية حمايتها عندما تتعرض للهجوم؟
إن مراكز البيانات ليست سوى جزء من منظومة أوسع تشكل "العمود الفقري" للعالم الرقمي الحديث، والذي يعتمد على شبكة ضخمة من مراكز البيانات والكابلات البحرية والأقمار الصناعية التي تنقل البيانات بين القارات، الأمر الذي يستدعي حمايتها لضمان الاستقرار الاقتصادي.
في حين يشير موقع تشاتام هاوس الي ان الكابلات البحرية تعد الحلقة الأكثر أهمية والأقل ظهورًا في بنية الإنترنت العالمية، وبالرغم من الاعتقاد الشائع بأن الأقمار الصناعية تُعد الوسيلة الأساسية لنقل البيانات، فإن الغالبية الساحقة من حركة الإنترنت الدولية تمر عبر كابلات ألياف ضوئية تمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات في قيعان البحار والمحيطات. وأي خلل يصيب هذه الكابلات لا يؤدي فقط إلى بطء الإنترنت أو انقطاع بعض الخدمات، بل يمكن أن يشل قطاعات اقتصادية كاملة ويعطل أنشطة حيوية تعتمد عليها الدول الحديثة.
ويمثل البحر الأحمر ومضيق هرمز اليوم اثنين من أهم نقاط الاختناق الرقمية في العالم؛ فالبحر الأحمر وحده ينقل ما يقرب من 17% من حركة الإنترنت العالمية ويستوعب الجزء الأكبر من تدفق البيانات بين أوروبا وآسيا، بينما تمر مجموعة أخرى من الكابلات الرئيسة عبر مضيق هرمز لتربط دول الخليج بالشبكات العالمية، الأمر الذي يشير إلى أن أي اضطراب أمني في هذين الممرين لا يؤثر فقط على التجارة البحرية والطاقة، بل يهدد أيضًا حركة البيانات العالمية.
وحول مسؤولية حماية الكابلات البحرية، فإن المبادرات الأوروبية الأخيرة تهدف إلى تعزيز أمن الكابلات البحرية، إذ أطلق الاتحاد الأوروبي خطة متكاملة تقوم على عدة محاور تشمل: الوقاية والكشف والاستجابة والإصلاح، إلى جانب تخصيص مئات الملايين من اليورو لتطوير قدرات المراقبة والصيانة والإصلاح السريع.
علاوة على ذلك، دعمت العديد من الدول، من بينها المملكة المتحدة وكندا واليابان والولايات المتحدة، مبادرات لتطوير قواعد جديدة تتعلق بـ "حوكمة الكابلات البحرية"، بما يتضمن فرض متطلبات شفافية على الشركات المشغلة، فضلًا عن تحسين تبادل المعلومات بشأن نقاط الضعف، وإنشاء آليات دولية لتنسيق عمليات الإصلاح وتوفير ممرات آمنة للسفن المتخصصة أثناء الأزمات.
وتمتلك بريطانيا فرصة خاصة للعب دور قيادي في هذا المجال؛ وذلك نظرًا لتاريخها الطويل في القانون البحري وموقعها الاستراتيجي الذي يجعلها نقطة رئيسة لربط كابلات البيانات بين أمريكا الشمالية وأوروبا. وعليه، بدأت الحكومة البريطانية -بالفعل- في التعامل مع المخاطر المتنامية التي تواجه البنية التحتية البحرية، لا سيَّما بعد اتهام روسيا بتنفيذ أنشطة مشبوهة قرب الكابلات وخطوط الأنابيب في بحر الشمال.
ويمكن للتشريعات البريطانية الجديدة المتعلقة بالأمن السيبراني أن تشكل أساسًا لتوسيع نطاق الحماية ليشمل البنية التحتية الرقمية العابرة للحدود، لكن ذلك يتطلب تنسيقًا دوليًا أوسع يتجاوز الحدود الوطنية.
لقد وصل العالم إلى مرحلة أصبحت فيها البنية التحتية الرقمية لا تقل أهمية عن شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمواني، ولم تعُد الكابلات البحرية ومراكز البيانات مجرد "أصول تجارية مملوكة لشركات خاصة"، بل باتت ركائز أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي والمجتمعات الحديثة. ومن ثّم، فإن استمرار التعامل معها بالمنطق الاقتصادي وحده -دون تطوير أطر قانونية وأمنية دولية لحمايتها- سيجعل العالم أكثر عرضة للاضطرابات الجيوسياسية المستقبلية.



