من هضبة أم عراك إلى مجالس البادية.. «السيجة» لعبة تتحدى الزمن

صورة موضوعية
صورة موضوعية

بينما يجلس أحد أبناء البادية منغمسًا في مباراة سيجة تقليدية، مستخدمًا الحصى الصغيرة على لوحة مرسومة على الأرض، تتجسد صورة حية لاستمرار أحد أقدم أشكال الترفيه الشعبي في مصر. إلا أن هذه اللعبة التي لا تزال تُمارس حتى اليوم في بعض المجتمعات البدوية والريفية، تحمل في طياتها تاريخًا أعمق بكثير مما يبدو للوهلة الأولى.
 
ففي هضبة أم عراك بشمال سيناء، يؤكد د. هشام حسين رئيس الإدارة المركزية لآثار وجه بحري أن  أعمال المسح الأثري الحديثة كشفت عن عدد من الشواهد المهمة المرتبطة بالحركة التجارية القديمة عبر طرق سيناء، عُثر على لوحة سيجة محفورة مباشرة في الصخر، تتكون من 35 حفرة صغيرة مرتبة في سبعة صفوف وخمسة أعمدة (5×7). ويُرجح أن هذا النموذج قد يعود إلى فترة الأنباط أو إلى إحدى المراحل التاريخية المرتبطة بازدهار الطرق التجارية التي عبرت المنطقة.
 
وتكتسب هذه اللوحة أهميتها من كونها تمثل دليلًا ماديًا نادرًا على جوانب الحياة اليومية للإنسان القديم، إذ لا تقتصر دراسة الماضي على المعابد والقلاع والمقابر فحسب، بل تمتد أيضًا إلى أنشطة الترفيه والتسلية التي مارسها الناس خلال فترات الراحة والاستقرار.
 
ويضيف د. هشام حسين أن سيناء، كانت عبر آلاف السنين، معبرًا للحجاج والتجار والجيوش والقوافل، ومن الطبيعي أن يبحث المسافرون عن وسائل لقضاء الوقت أثناء التوقف في المحطات والاستراحات المنتشرة على الطرق القديمة. ومن هنا يمكن فهم وجود مثل هذه الألعاب المنحوتة على الصخور بالقرب من مسارات الحركة التاريخية.
 
وتُعد السيجة من أشهر الألعاب الشعبية في مصر والعالم العربي، وتعتمد على الذكاء والتخطيط والمنافسة بين لاعبين. ورغم اختلاف أشكال لوحاتها من منطقة إلى أخرى، فإن جوهر اللعبة ظل ثابتًا عبر الأجيال، وهو ما يجعلها مثالًا حيًا على استمرارية التراث الثقافي غير المادي.
 
إن المقارنة بين صورة البدوي الذي يمارس السيجة اليوم وبين اللوحة الصخرية المكتشفة في أم عراك تكشف عن خيط ثقافي ممتد عبر القرون، حيث تتجاوز اللعبة كونها مجرد وسيلة للتسلية لتصبح شاهدًا على استمرارية بعض العادات والتقاليد الإنسانية في البيئات الصحراوية.
 
وربما لا تخبرنا هذه الحفر الصخرية الصغيرة بأسماء من لعبوا عليها أو القصص التي دارت حولها، لكنها تذكرنا بأن الإنسان، في كل زمان ومكان، لم يكن يبحث فقط عن الغذاء والمأوى، بل سعى أيضًا إلى الترفيه والتواصل والتنافس، وهي قيم إنسانية بقيت حاضرة من العصور القديمة وحتى يومنا هذا.
 
وتبرز لوحة السيجة المكتشفة في هضبة أم عراك كدليل جديد على أهمية توثيق ودراسة التفاصيل الصغيرة في المواقع الأثرية، فهذه الشواهد البسيطة قد تفتح آفاقًا جديدة لفهم الحياة الاجتماعية والثقافية على طرق سيناء التاريخية، تمامًا كما تكشف القلاع والحصون عن الجوانب العسكرية.

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا