بعد الحديث عن مادة ضارة داخله.. «رانيا ممتاز» تسأل: هل عصير القصب فيه سُم قاتل ؟

د. رانيا ممتاز
د. رانيا ممتاز

انتشرت خلال الفترة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي أخبار تتحدث عن احتمال استخدام مادة تُعرف باسم ثاني أكسيد التيتانيوم (E171) في بعض المشروبات، ومنها عصير القصب، بهدف تحسين اللون أو إخفاء بعض العيوب في المظهر. وكما يحدث دائمًا مع الأخبار المرتبطة بالغذاء، انتشرت المعلومات بسرعة، واختلطت الحقائق العلمية بالشائعات والمخاوف.

 

وتحذر د. رانيا ممتاز استشاري الميكروبيولوجيا والمناعة والصحة الغذائية واستشاري تطبيقات الليزر من المواد الضارة التي يتم إضافتها في الخفاء بكوب عصير القصب ببعض المحلات وتساءلت: لماذا عاد هذا الموضوع إلى الواجهة؟

وأشارت د. رانيا إلى أنه بين التهويل والإنكار، يبقى السؤال الحقيقي:

ما هي هذه المادة؟ وأين تُستخدم فعلًا؟ وهل تمثل خطرًا صحيًا حقيقيًا أم أن المشكلة الأساسية تتعلق بطريقة الاستخدام والرقابة؟

ما هو ثاني أكسيد التيتانيوم (E171)؟

ثاني أكسيد التيتانيوم هو مركب كيميائي صيغته TiO₂، يتكون من عنصر التيتانيوم والأكسجين. يتميز بلون أبيض ناصع وقدرة عالية على عكس الضوء، مما يجعله من أكثر المواد استخدامًا في الصناعات التي تحتاج إلى اللون الأبيض أو العتامة.

وقد استُخدم لعقود طويلة في:

- الدهانات ومواد الطلاء

- البلاستيك والورق

- مستحضرات التجميل

- واقيات الشمس

- بعض الأدوية

- وبعض المنتجات الغذائية تحت اسم المضاف الغذائي E171

لماذا استُخدم في الغذاء؟

في الصناعات الغذائية، لم يكن الهدف من استخدامه تحسين الطعم أو القيمة الغذائية، بل كان استخدامه تجميليًا فقط، من أجل:

- تحسين اللون الأبيض

- إعطاء مظهر أكثر تجانسًا

- زيادة اللمعان البصري لبعض المنتجات

بمعنى أنه مكون مرتبط بالشكل وليس بالمحتوى الغذائي.

أين يوجد في المنتجات الغذائية؟

كان يُستخدم في بعض المنتجات الصناعية وليس في الأطعمة الطبيعية، مثل:

- العلك (اللبان)

- حلوى الأطفال

- بعض الشوكولاتة المغلفة أو المزخرفة

- الزينة السكرية والحلويات الجاهزة

- بعض الحلويات الكريمية أو الآيس كريم الصناعي

كما كان يدخل أحيانًا بشكل غير مباشر في المنتجات المعقدة التي تعتمد على تحسين المظهر الخارجي، وليس في الأغذية الطبيعية مثل اللبن أو الزبادي.

كيف بدأ الجدل العلمي حوله؟

مع تطور تقنيات التحليل، اكتشف العلماء أن بعض صور ثاني أكسيد التيتانيوم التجارية تحتوي على جسيمات متناهية الصغر (نانوية).

هذا الاكتشاف فتح بابًا علميًا جديدًا، لأن هذه الجسيمات قد تتصرف داخل الجسم بشكل مختلف عن الجسيمات الأكبر من حيث التفاعل مع الخلايا والأنسجة.

ومن هنا ظهر مجال علمي متخصص يُعرف باسم علم السموم النانوية لدراسة هذه التأثيرات المحتملة.

ماذا تقول الدراسات العلمية؟

أظهرت بعض الدراسات:

- احتمال عبور جزء صغير من الجسيمات النانوية لجدار الأمعاء

- حدوث إجهاد تأكسدي داخل بعض الخلايا

- مؤشرات تحتاج إلى مزيد من البحث حول التأثيرات طويلة المدى

لكن في المقابل:

- دراسات أخرى لم تجد تأثيرات واضحة

- ولم يتم التوصل إلى إجماع علمي نهائي حول الضرر المؤكد على الإنسان.

هل يسبب السرطان؟

حتى الآن، لا توجد أدلة علمية قاطعة تثبت أن استهلاك ثاني أكسيد التيتانيوم (E171) في الغذاء يسبب السرطان لدى البشر.

لكن بعض الهيئات التنظيمية اعتبرت أن البيانات المتاحة لا تسمح باستبعاد جميع المخاطر بشكل نهائي، خاصة على المدى الطويل، مما أدى إلى إعادة تقييم استخدامه.

لماذا تم حظره في بعض المناطق؟

في عام 2021، أعلنت الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA) أنها لا تستطيع تأكيد سلامة المادة كمضاف غذائي بشكل كامل، ليس لأنها أثبتت ضررًا مباشرًا، ولكن بسبب عدم كفاية الأدلة لاستبعاد المخاطر المحتملة.

وبناءً على ذلك، تم تطبيق مبدأ الحيطة، وتم حظر استخدام E171 كمضاف غذائي في الاتحاد الأوروبي منذ 2022.

لكنه مسموح في مناطق اخرى غير الاتحاد الأوروبي

 

استخدامه في الأدوية وواقيات الشمس

 

ما زال ثاني أكسيد التيتانيوم يُستخدم في:

- طلاء الأقراص والكبسولات الدوائية

- بعض مستحضرات الوقاية من الشمس

- بعض الانواع من معجون الأسنان

لأن:

- الكميات المستخدمة صغيرة

- طرق الاستخدام مختلفة

- ويتم تقييم كل مجال بشكل منفصل

 

استخدامه في الآثار والبيوتكنولوجيا

 

في مجال الآثار وحفظ التراث، يُستخدم TiO₂ النانوي في تقنيات تعتمد على النشاط الضوئي، حيث يساعد في تفكيك الملوثات العضوية وتقليل نمو الفطريات والبكتيريا على الأسطح الأثرية، مما يجعله أداة مهمة في حماية التراث.

 

أما في البيوتكنولوجيا، فيُستخدم في:

 

- مكافحة الميكروبات

- تنقية المياه والهواء

- تطوير أسطح مضادة للبكتيريا

- تطبيقات طبية حيوية قيد البحث

هل استخدامه في عصير القصب يمثل خطرًا؟

من الناحية العلمية، لا توجد أدلة تثبت أن التعرض العرضي بكميات صغيرة يسبب ضررًا مباشرًا.

لكن استخدامه في عصير القصب أو أي مشروب مماثل يُعد:

 

- غير مصرح به غذائيًا

- غير خاضع للتقييم في هذا السياق

- وسيلة لتغيير شكل المنتج وإخفاء طبيعته

 

وبالتالي فهو يُصنف كـ غش غذائي من الناحية الرقابية حتى لو لم يُثبت ضرر حاد مباشر.

 

الخلاصة: العلم بين اليقين والاحتمال

 

ثاني أكسيد التيتانيوم (E171) ليس مادة سامة مثبتة، وليس مادة آمنة بشكل مطلق. بل هو مركب خضع لاستخدام طويل في مجالات متعددة، ثم أعيد تقييمه مع تطور العلم وظهور أسئلة جديدة حول سلوكه داخل الجسم. خاصة مع وجود دراسات تثبت ضررة واخرى تنفي لكن المحقق والمؤكد ضرورة وضع قوانين صارمة في حالة استخدامه مثلا التركيز المستخدم صورة المادة صلبة او سائلة او نانونية

 

القضية هنا لا تتعلق فقط بالمادة نفسها، بل بطريقة استخدامها، ومدى التزام الصناعة بالشفافية والرقابة العلمية.

 

خاتمة: بين العلم والرقابة وثقة المستهلك

 

في النهاية، تبقى سلامة الغذاء مسؤولية مشتركة بين العلم والجهات الرقابية والمستهلك. فالعلم يطوّر أدوات الفهم، والرقابة تضع الحدود، والصناعة تلتزم، والمستهلك يملك حق المعرفة الكاملة بما يتناوله.

لكن الأهم من كل ذلك هو ألا تتحول الأخبار المتداولة إلى أحكام نهائية دون تحقق، وألا تُختزل القضايا العلمية المعقدة في عناوين مثيرة فقط.

ففي عالم الغذاء الآن، لا يكفي أن نسأل: “هل يبدو الطعام جيدًا؟”

بل يجب أن نسأل أيضًا: “هل نعرف حقًا ما الذي داخله؟”

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا