شريف زرد يكتب؛ إمبراطورية تدوير الكاوتش تنتظر طوق النجاة

الكاتب الصحفى شريف زرد
الكاتب الصحفى شريف زرد

​تحت ظلال أشجار الريف في قلب محافظة الغربية، وتحديداً في مثلث "ميت الحارون" وشقيقتها "كفر ميت الحارون" وصولاً إلى قرية "تفهنا العزب"، لا تتوقف أصوات الآلات ولا تهدأ حركة الأيدي العاملة؛ هنا تولد الحياة من رحم النفايات، وتتحول الإطارات المستعملة والكاوتشوك الهالك من عبء بيئي يؤرق الدولة إلى ثروة اقتصادية وقودها عرق آلاف العمال. لقد تحولت هذه القرى بمرور العقود من مجرد مجتمعات زراعية تقليدية إلى قلاع صناعية مفتوحة، وإمبراطورية قائمة بذاتها لتدوير وتشكيل الكاوتشوك بكل مشتقاته، لتقدم نموذجاً فريداً في الاعتماد على الذات وخلق فرص العمل، لكن هذا النجاح الباهر والمستمر بات اليوم يقف على حافة الخطر، وأصبح يواجه تحدياً مصيرياً يهدد استمراريته ما لم تتدخل الدولة بشكل عاجل وحاسم لتقنين أوضاع هذه الورش وتحويلها من القطاع غير الرسمي إلى مظلة القانون.
​إن الزائر لهذه القرى يدرك فوراً حجم الجهد المبذول؛ فالكاوتش القديم يمر بمراحل معقدة من التقطيع والفرز وإعادة التصنيع لينتج "المقاطف" ومستلزمات البناء، والمواد الخام لتبطين الملاعب، وحبيبات المطاط التي تدخل في صناعات استراتيجية عديدة، ما يعني وفرة مالية وتوفيراً للعملة الصعبة التي كانت ستُهدر في استيراد هذه المواد. غير أن هذا المشهد الاقتصادي المهيب يوازيه مشهد آخر شديد القتامة داخل الورش، حيث يفتقر العمال لأبسط اشتراطات السلامة والصحة المهنية، وتتكرر حوادث الآلات وبتر الأطراف والحرائق المفاجئة التي تلتهم شقاء السنين في دقائق معدودة، وهو ثمن باهظ يدق ناقوس الخطر بضرورة التدخل السريع. لقد أصبحت عملية تقنين أوضاع هذه الورش ضرورة ملحة تتجاوز مجرد جمع الرسوم والضرائب، بل أضحت مسألة حياة أو موت، وخطوة لا تحتمل التأجيل لحماية أرواح الآلاف من العمال الذين يمثلون العمود الفقري لهذه الصناعة الوطنية.
​هذا التحول المنشود لن يتحقق بجهود فردية، بل يتطلب انتفاضة تنسيقية كبرى تجمع كافة الجهات المعنية في صعيد واحد؛ إذ يتعين على الوحدات المحلية ووزارة الزراعة وهيئة التنمية الصناعية وجهاز شؤون البيئة، الجلوس على طاولة واحدة لإنهاء التعقيدات البيروقراطية التي واجهت أصحاب هذه الورش لسنوات طويلة. إن المطلوب اليوم هو صياغة آلية مرنة وواضحة تتيح للمحليات والزراعة توفيق أوضاع الأراضي والمساحات المستغلة في هذه الأنشطة بما لا يضر بالرقعة الزراعية، مع تولي هيئة التنمية الصناعية وضع الاشتراطات الفنية الميسرة لمنح التراخيص الرسمية، بالتوازي مع تقديم وزارة البيئة للدعم الفني والبيئي الذي يضمن تشغيل الورش دون انبعاثات ضارة ودون تهديد للصحة العامة. إن دمج هذه القلاع الصناعية في المنظومة الرسمية للدولة سيتيح تطبيق معايير الأمان بدقة، وتوفير أدوات السلامة المهنية، وضمان التأمين الصحي والاجتماعي على العمال، وتحويل "ذهب ميت الحارون الأسود" من نشاط عشوائي مهدد بالحرائق والحوادث، إلى اقتصاد رسمي آمن ومستدام يدعم رؤية الدولة المصرية في التنمية الشاملة.

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا