أخر الأخبار

إيران وهرمز وتايوان على طاولة المفاوضات

ترامب ورئيس الصين يعيدان رسم توازنات الشرق الأوسط

البيت الأبيض: اتصال محتمل بين ترامب وشي الأسبوع الجاري
البيت الأبيض: اتصال محتمل بين ترامب وشي الأسبوع الجاري

 

في لحظة دولية شديدة الحساسية، حملت القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في بكين رسائل تتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية، لتلامس ملفات الأمن العالمي والطاقة والممرات البحرية والأزمات النووية.

فبينما أعلن ترامب التوصل إلى “اتفاقات تجارية رائعة” مع الصين، برز الملف الإيراني باعتباره العنوان السياسي الأبرز للمحادثات، خصوصاً مع حديث الرئيس الأميركي عن تفاهمات مع بكين تتعلق بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية.

القمة جاءت في توقيت يتسم بتصاعد التوترات الإقليمية، واضطراب أسواق الطاقة العالمية، واستمرار الحرب في أوكرانيا، إلى جانب اشتداد التنافس الأميركي–الصيني على قيادة النظام الدولي.

تفاهمات تتجاوز الاقتصاد
رغم أن الزيارة حملت طابعاً اقتصادياً وتجارياً في ظاهرها، فإن التصريحات المتبادلة كشفت أن بكين وواشنطن تحاولان صياغة “تفاهمات استراتيجية مؤقتة” لتجنب الانزلاق نحو صدام مباشر في أكثر من ملف.

ترامب أكد أن الرئيس الصيني تعهد بعدم تقديم مساعدات عسكرية لإيران، وهي إشارة تعكس محاولة أميركية لعزل طهران استراتيجياً ومنعها من الاستفادة من التوترات الدولية لتوسيع قدراتها العسكرية.

في المقابل، حرصت الصين على إظهار نفسها كقوة توازن دولية، عبر الدعوة إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، وإعادة فتح خطوط الملاحة، واستئناف الحوار السياسي بشأن الملف النووي الإيراني.

وتدرك بكين أن أي اضطراب طويل في الخليج العربي أو مضيق هرمز سيهدد بصورة مباشرة، واردات الطاقة الصينية، وسلاسل الإمداد العالمية، والتجارة الدولية التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني.

لماذا يمثل مضيق هرمز أولوية للصين وأميركا؟

يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي، والولايات المتحدة ترى أن أي تهديد للمضيق يعني، ارتفاعاً عالمياً بأسعار الطاقة، واضطراباً اقتصادياً واسعاً، وتهديداً مباشراً لحلفائها الخليجيين.

أما الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، فترى أن استقرار المضيق ضرورة استراتيجية لأمنها الطاقوي، ولهذا تحدث ترامب عن استعداد شي جين بينج للمساعدة في “فتح المضيق” وضمان حرية الملاحة، هذه النقطة تعكس تحولاً مهماً، فبكين لم تعد تكتفي بدور الشريك التجاري في الشرق الأوسط، بل تتحرك تدريجياً نحو دور سياسي وأمني أكثر وضوحاً.

إيران بين الضغوط الأميركية والحسابات الصينية
تصريحات ترامب حملت نبرة مزدوجة تجاه إيران، حيث تضغط مباشرة عبر التهديد بعدم "الصبر كثيراً"، وفتح باب التسوية السياسية إذا تم التوصل إلى اتفاق، وفي الوقت نفسه، بدت الصين حريصة على عدم خسارة علاقتها الاستراتيجية مع طهران، لكنها أرسلت إشارات واضحة بأنها لا تريد حرباً واسعة في المنطقة.

فالصين تنظر إلى إيران باعتبارها، شريكاً مهماً في مشروع "الحزام والطريق"، ومورداً مهماً للطاقة،
ونقطة نفوذ في مواجهة الهيمنة الأميركية، لكن بكين تدرك أيضاً أن الانخراط العسكري المباشر إلى جانب إيران قد يضر بعلاقاتها الاقتصادية مع الغرب ويهدد استقرار تجارتها العالمية، لذلك تحاول الصين لعب دور “الوسيط الحذر”، القادر على الاحتفاظ بعلاقاته مع جميع الأطراف دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.

تايوان.. الملف الأخطر في القمة
ورغم التركيز الإعلامي على إيران والتجارة، فإن تصريحات شي جين بينج بشأن تايوان كشفت أن القضية تبقى الملف الأكثر حساسية في العلاقات الصينية الأميركية.

الرئيس الصيني حذر بوضوح من أن سوء إدارة ملف تايوان قد يقود إلى "صدام أو صراع"، مؤكداً أن استقلال الجزيرة يتناقض مع الحفاظ على السلام عبر المضيق، هذا التحذير يعكس مخاوف بكين من: استمرار الدعم الأميركي العسكري والسياسي لتايوان، وتحول الجزيرة إلى نقطة اشتعال عسكرية في آسيا، في المقابل، تحاول واشنطن استخدام ملف تايوان كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة التوسع الصيني.

أهداف القمة.. ماذا يريد كل طرف؟

الولايات المتحدة تهدف الى احتواء التصعيد مع الصين دون التخلي عن المنافسة، وضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية، ومنع إيران من تطوير برنامج نووي عسكري، الحفاظ على أمن الملاحة في الخليج، كما تهدف الى دفع الصين للابتعاد عسكرياً عن طهران.

أما أهداف الصين فهى حماية تدفقات النفط والطاقة، وتجنب حرب إقليمية تؤثر على الاقتصاد العالمي، وتثبيت صورتها كقوة سلام دولية، كما تهدف الى تخفيف الضغوط الأميركية الاقتصادية، وإدارة التنافس مع واشنطن دون صدام مباشر.

فالقمة لا تعني نهاية التنافس الأميركي–الصيني، لكنها تكشف وجود "إدارة مشتركة للأزمات" بين أكبر قوتين في العالم، والطرفان يدركان أن: انهيار الاستقرار في الخليج،أو انفجار الملف الإيراني، أو تعطل التجارة العالمية، قد ينعكس بصورة كارثية على الاقتصاد الدولي الذي يعاني أصلاً من اضطرابات متلاحقة.
ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة  تصعيداً تفاوضياً مع إيران،وضغوطاً دولية لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، ومحاولات صينية لتعزيز دورها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، مع استمرار التنافس الحاد بين واشنطن وبكين في آسيا والتكنولوجيا والتجارة.

وبينما يتحدث ترامب عن "صفقات رائعة"، يبدو أن ما جرى في بكين يتجاوز التجارة بكثير، ليعكس محاولة لإعادة هندسة توازنات النظام الدولي في لحظة شديدة الاضطراب.