يشهد جنوب لبنان تصعيدًا عسكريًا لافتًا بعد إعلان الجيش الإسرائيلي تنفيذ غارات جوية استهدفت نحو 25 موقعًا تابعًا لـحزب الله خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، في خطوة تعكس ارتفاع وتيرة المواجهة على الجبهة الشمالية.
ووفق البيان العسكري، شملت الضربات مستودعات أسلحة ومواقع عسكرية وبنى تحتية، مع تأكيد “القضاء على عدد من العناصر”، بينما أشار الجيش إلى اعتراض أهداف جوية “مشبوهة” في الأجواء الجنوبية، في ظل استمرار محاولات التسلل أو الهجوم عبر الطائرات المسيّرة.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ هجمات مضادة باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة وقذائف هاون استهدفت مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، دون تسجيل إصابات بحسب الرواية الإسرائيلية، ما يعكس نمط “الرد المتبادل المحدود” الذي يطبع المواجهة الحالية.
سياق سياسي ودولي
يأتي هذا التصعيد رغم الجهود الأمريكية لاحتواء الموقف، حيث أكد ماركو روبيو إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل ولبنان، مع التشديد على أن العقبة الرئيسية تتمثل في سلاح حزب الله.
كما أشار إلى مساعٍ لجمع الطرفين على طاولة مفاوضات برعاية واشنطن.
وكان دونالد ترامب قد أعلن سابقًا وقف إطلاق نار مؤقت، مع طرح فكرة التوصل إلى اتفاق دائم، إلا أن هذه الجهود لم تترجم حتى الآن إلى تهدئة ميدانية حقيقية.
تُعد منطقة جنوب لبنان، خاصة القريبة من الخط الأزرق، واحدة من أكثر مناطق التوتر حساسية في الشرق الأوسط.
تنتشر قوات اليونيفيل في المنطقة لمراقبة وقف الأعمال العدائية، إلا أن دورها يظل محدودًا في منع التصعيد.
يعتمد حزب الله بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، فيما تركز إسرائيل على الضربات الجوية الدقيقة والاستخباراتية.
أهداف التصعيد
إسرائيليًا:
تقويض القدرات العسكرية لحزب الله ومنع تمركزه قرب الحدود.
فرض معادلة ردع جديدة عبر ضربات مكثفة وسريعة.
الضغط لفرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب اللبناني.
من جانب حزب الله:
تثبيت معادلة “الرد مقابل الرد” ومنع إسرائيل من فرض واقع ميداني جديد.
استنزاف القوات الإسرائيلية وإبقاء الجبهة مفتوحة دون الانزلاق لحرب شاملة.
تعزيز موقعه داخليًا كقوة “مقاومة” في مواجهة إسرائيل.
ويعكس التصعيد الحالي مرحلة “حافة الهاوية المضبوطة”، حيث يسعى الطرفان إلى تحقيق مكاسب تكتيكية دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون مكلفة للغاية.
فإسرائيل تكثف ضرباتها لتقليص تهديد حزب الله، بينما يعتمد الأخير على تكتيكات مرنة وردود محسوبة للحفاظ على توازن الردع.
لكن خطورة الوضع تكمن في أن هذا النمط من الاشتباك، رغم كونه محدودًا، يحمل دائمًا خطر الانفجار غير المقصود، خاصة مع تزايد استخدام المسيّرات والأسلحة الدقيقة، ما قد يؤدي إلى تصعيد سريع يصعب احتواؤه.
يبدو الهدوء في جنوب لبنان هشًا أكثر من أي وقت مضى، وبين الضربات الإسرائيلية والردود المتكررة من حزب الله، تظل المنطقة أمام سيناريوهين: إما تثبيت قواعد اشتباك جديدة، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة.




