رغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ وتمديده لأسابيع إضافية، لا يزال المشهد في لبنان بعيداً عن وصف “نهاية الحرب”. فالاتفاق الذي أوقف مؤقتاً وتيرة التصعيد لم ينجح في إنهاء جذور الصراع، بل أعاد تشكيله ضمن معادلة أكثر تعقيداً.
كانت الأولوية العاجلة للحكومة اللبنانية وقف نزيف الدم الناتج عن الغارات الجوية الإسرائيلية، وهو ما تحقق جزئياً مع سريان التهدئة. غير أن الواقع الميداني يكشف استمرار الضربات الجوية في مناطق متفرقة، حيث تؤكد إسرائيل أنها تستهدف “تهديدات أمنية”، بينما يردّ حزب الله بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، في دورة تصعيد مضبوطة لا ترقى إلى حرب شاملة، لكنها تتجاوز مفهوم السلام.
في الجنوب، تتصاعد المخاوف مع استمرار وجود القوات الإسرائيلية في أجزاء من الأراضي اللبنانية، وسط حديث عن إنشاء “منطقة عازلة أمنية”. غياب جدول زمني واضح للانسحاب يثير قلق السكان، الذين يواجهون صعوبة في العودة إلى مناطق دُمّر جزء كبير منها بفعل العمليات العسكرية.
سياسياً، تبدو الحكومة اللبنانية أمام معضلة عميقة. فملف سلاح حزب الله يبرز كأكبر عقبة أمام أي اتفاق دائم. وبينما ترفض الحكومة اللجوء إلى القوة خشية تفجر صراع داخلي، يتمسك الحزب بسلاحه ويرفض طرحه للنقاش في هذه المرحلة، ما يضعف قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة.
في المقابل، يبرز اهتمام دولي متجدد، خاصة من الولايات المتحدة، بالدفع نحو تسوية طويلة الأمد. غير أن أي مسار تفاوضي يصطدم بالسؤال الجوهري: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
ميدانياً، تعكس المواجهة الجارية تحولاً أوسع في طبيعة الحروب الحديثة. فقد أصبحت الطائرات المسيّرة لاعباً رئيسياً، لا يقتصر دورها على الاستطلاع، بل يمتد إلى تنفيذ ضربات دقيقة ضمن عمليات منسقة، ما يسمح باستمرار الاشتباكات عند مستوى منخفض الكلفة نسبياً.
وبين هدنة لا تنهي القتال، وسلاح خارج سيطرة الدولة، وواقع ميداني متقلب، يقف لبنان عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تتحول التهدئة إلى مدخل لحل سياسي شامل، أو تبقى مجرد استراحة قصيرة في صراع مفتوح على احتمالات التصعيد من جديد.




