أخر الأخبار

قربان أم رجس؟ 

رُعاته مُنِعوا من دخول المعابد.. «رانيا ممتاز» تكشف حكاية الخنزير في مصر القديمة | خاص

د. رانيا ممتاز
د. رانيا ممتاز

في ذاكرة الإنسان القديمة، بقي الخنزير في مصر القديمة لغزًا حيًّا ينبض بالتناقض بين القداسة والنجاسة، بين النبذ والرمزية، بين الوصمة والتقديس.

حيوانٌ بسيط في شكله، لكنّه حمل على كاهله معاني متشابكة، فكان يومًا وسيلة للشفاء، ويومًا آخر تجسيدًا للشر.

تكشف د. رانيا ممتاز دكتورة الآثار الجزئية عن الخنزير في عصور ما قبل التاريخ مؤكدة أنه من أوائل الحيوانات البرية التي عرفتها مصر منذ العصر الحجري الحديث (النيوليتي)، وتشير الاكتشافات في موقع مرمدة بني سلامة بغرب الدلتا إلى وجود خنازير مستأنسة، حيث تم العثور على عظامها داخل المدافن، وهو ما قد يدل على مكانتها ضمن معيشة الإنسان آنذاك.

 

الخنزير في عصور ما قبل التاريخ

عُثر على بقايا خنازير برية في مناطق أخرى، ما يدعم فرضية أن الخنزير كان من الكائنات البرية التي تُصاد أو تُربّى جزئيًا.

أما في عصور ما قبل التاريخ اللاحقة، فقد وجدت الخنازير في مواقع مختلفة من الدلتا، وخاصةً في "حلوان، وادي النطرون، البداري، العمري، الفيوم، وهيراكونوبوليس"، وهو ما يُعد دليلًا قويًا على دور الخنزير في تلك الثقافات المحلية، حيث اكتُشفت تماثيل صغيرة من الطين تمثل خنازير وُضعت داخل القبور، كما عُثر على خنزير من الخزف المطلي بالأزرق يعود إلى الأسرة الأولى، شكله يشبه بشكل لافت للتمائم التي صُنعت في عصر الأسرة السادسة والعشرين. 

 

وفي نقادة وأبيدوس، وجدت أواني على هيئة خنازير كانت تُستخدم لحفظ الزيوت أو مواد التجميل فضلاً عن أن بعض أختام الأسرة الأولى تُظهر خنازير بذيل يشبه البري، ولكن أجسادها ممتلئة كالخنزير المحلي.

 

وترى د. رانيا ممتاز أنه على الرغم من أن الذيل الملفوف يدل عادة على خنزير مستأنس، إلا أن بعض الصور تجمع بين صفات النوعين.

 

ورغم النظرة التي تحيط بالخنزير في الديانات اللاحقة، فإن الخنزير كان جزءًا من الحياة الزراعية والبيئية ففي مقبرة "ريني" في إلفنتين من عصر الدولة الحديثة، نرى مشهدًا لرعاة يقودون قطيعًا من الخنازير، وآخرين يدفعونها لتقليب التربة المزروعة في تقليد زراعي استمر حتى العصر الإسلامي.

 

الحيوان المحرم

ليس من قبيل المصادفة أن يُذكر الخنزير في كتب هيرودوت كمخلوق "نجس"، لا يجوز للمصري أن يلمسه دون أن يغتسل. لكن الغريب، أن نفس المصريين قدّموا للخنازير طقوسًا، وعلّقوا من شكلها تمائم، واستخدموا أعضائها في وصفاتهم الطبية، واحتفظوا بها ضمن ممتلكات الدولة والمعابد. فأي تفسير لهذا؟. تصف النصوص اليونانية، خصوصًا لدى هيرودوت، أن المصريين كانوا يعتبرون الخنزير نجسًا: من يلمسه يذهب إلى النهر ويغتسل بكامل ملابسه، ولا يُسمح لرعاة الخنازير بدخول المعابد أو الزواج من طبقات أخرى.

 

القربان النجس

 

لكن هيرودوت نفسه يذكر أن الخنازير كانت تُضحى بها في طقوس معينة، مثل عيد القمر وأعياد مرتبطة بـأوزير. إذًا لماذا يُعد نجسًا ويُقدَّم قربانًا؟ الجواب نجده في الروح الرمزية العميقة للمصري القديم: النجاسة يجب التخلص منها والتطهر.  

 

لحوم الخنازير 

 

تشير نصوص الدولة الحديثة إلى وجود مزارع خنازير ملكية. فالكاهن "رني" امتلك 1500 خنزيرًا. في معبد أمنحتب الثالث، قُدّم 1000 خنزير ضمن القرابين هذه الأرقام الكبيرة تدل على وجود مزارع منظّمة وليس تربية عشوائية.

 

تشير د. رانيا إلى أن الأمر لم يكن مقتصرًا على الطبقة الفقيرة أو العادية، بل شمل طبقات عليا ومؤسسات دينية.

 لكن هذه اللحوم لم تكن متاحة للجميع. الخنزير كان طعام الفقراء والعمال، ومحظورًا على الكهنة والملوك في أوقات الطقوس  الكهنوتية. قد يعود ذلك لأن لحم الخنزير، بحسب المعتقد، يُنتج "روائح كريهة" تفسد الطهارة الطقسية. كانت الكلمة المفتاح: الرائحة. أما عامة الشعب، فلم يُمنعوا من أكله، لكن تم تشجيعهم أحيانًا على تجنّبه قبل المناسبات الدينية.

 

الخنزير.. ظل المعبود ستّ

في إحدى روايات أسطورة حورس وستّ، يتخذ الأخير شكل خنزير أسود ليخدع حورس، ويصيبه بالعمى في عينه اليسرى. في بعض نقوش معبد إدفو، يظهر ستّ كخنزير واضح الملامح، وليس كما اعتُقد سابقًا بهيئة فرس النهر فقط. 

وفي نصوص "كتاب الموتى"، نجد ذكرًا صريحًا لحظر التضحية بخنزير أمام حورس، بينما تُقبل أمام ستّ، رمز الفوضى والعواصف.

 

هذه العلاقة تربط بين الخنزير والقوى المتناقضة "الفوضى، الغضب، لكن أيضًا الخصوبة والحياة" وهي صفات يتقاسمها ستّ في بعض جوانبه. بل تشير نقوش قديمة إلى أن أنثى خنزير بيضاء وُصفت بأنها– أحد رموز الخصوبة .

 

 الخنزير في الطب

 استطردت دكتورة رانيا ممتاز  في حديثها عن الخنزير مؤكدة أن الخنزير لم يخلُ من الوظيفة العملية في الحياة اليومية. فـالبرديات الطبية مثل بردية إيبرس وهيرست تسجل وصفات يدخل فيها دم الخنزير أو أعضاؤه لعلاج أمراض مختلفة. وكان لعابه يُستخدم لعلاج "الحرقة في الجلد"، وذكر البعض أنه مفيد في علاج لدغات الكلاب والذئاب.

وفي بردية لندن الطبية، تظهر إشارة مثيرة إلى "الحروق الناتجة عن مياه حمراء" ووصف علاجي يعتمد على دهن الخنزير – وهو نص فُسّر على أنه صدى شعبي لمشهد النيل المتحوّل إلى دم. 

 

تتكرّر وصفات علاجية تعتمد على أجزاء من الخنزير: العين، الدم، الطحال، الشحم، الأمعاء، الأسنان. تُسحق الأسنان لعلاج الالتهابات، ويُستخدم دماغ الخنزير لعلاج الأورام. إن كانت النجاسة نابعة من الجسد، فقد كان هذا الجسد في بعض الحالات هو الدواء.

 

الحيوان المذموم تمثال مُقدَّس!

وتتساءل د. رانيا ممتاز: ما الذي يدفع شعبًا يحرّم الاقتراب من حيوان إلى وضع تمائمه في القبور وصوره في المعابد؟ كيف نقرأ هذا التضاد؟ مؤكدة أن الجواب يكمن في الرمزية الغامضة للمصري القديم، الذي لم يكن يؤمن بثنائيات صارمة بين "خير وشر"، بل كانت الرموز تدور في دوائر مركبة. فالحيوان الذي يُحرَّم لمسه، قد يحمل طاقة سحرية وقوة خارقة، ويصلح ليكون قربانًا لإرضاء الأرواح الغاضبة.

 

الخنزير في مصر القديمة

 

 أكدت دكتورة رانيا أن الخنزير في مصر القديمة ليس مجرد كائن زراعي أو حيوان يجب الابتعاد عنه، بل هو نافذة على فهم المصريين للعالم والروح والطبيعة. لقد كان كائنًا يحمل بداخله عناصر التربة، والخصوبة، والموت، والانبعاث. وكونه يُنسب إلى الرب ستّ، ليس إدانة له بل تأكيد على صفاته.

 

طقوس الخنزير

 

ومثلما صمت هيرودوت عن تفسير سر طقوس الخنزير، لا زال سرّه قائمًا حتى اليوم، يهمس لنا من جدران المقابر ومن نقش الخزف.

ابتداءً من الدولة الوسطى، تراجعت أهمية الخنزير، وتم حصر وجوده في الطب والحرث. فهل السبب ديني؟ صحي؟ اجتماعي؟ الأرجح أنه مزيج معقّد فقد كان الخوف من المرض داء الديدان وبالمناسبة فإنها وجدت في بقايا آدميه (مومياوات) كما أن تضخم صورة "ست" كرمز شيطاني، لا سيما في صراع أوزيريس وست وذلك فضلاً عن تأثير الكنعانيين والعبرانيين الذين حرموا الخنزير في نفس الفترة تقريبًا. هذا إلى جانب تغيّر البنية الطبقية واحتكار اللحوم الطاهرة كالضأن والماعز للصفوة.

 

نجس محرم أم قربان مقدس

 

هل يمكن لحيوان أن يُمنع عن الكهنة ويُقدّم قربانًا؟ أن يُستخدم كدواء ويُحرّم لمسه؟ أن يكون مرآة للربة نوت ومرآة لعدوها ست؟ تجيب د. رانيا في مقالها: "نعم، الخنزير كان كل ذلك. حين نغوص في أعماق مصر القديمة، حيث لا مكان للسطحية، تتفكك هذه الصورة النمطية، وتتكشّف لنا قصة مدهشة لكائنٍ عاش بين قداسة الرمز ووصمة الرجس. الحكاية المنسية لحيوانٍ هزّ عرش الطقوس في مصر القديمة".

 

 واختتمت دكتورة رانيا حديثها عن الخنزير لم يكن "الملعون" المطلق، ولا "الطاهر" النقي. بل كان كائنًا يعيش على حافة التناقض بين جسد ورمز، بين دواء لتستمر الحياة وداء يدنس طهارة المعابد، لقد عاش في المزارع، في القبور، في النصوص، وفي المخيلة، حمل في ذاته كل المتناقضات؛ مما يجعل قصته من أكثر القصص الرمزية إثارة في مصر القديمة.

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا