ظهر مفهوم "الاقتصاد الإبداعي" في السنوات الأخيرة و أصبح أحد أهم الركائز الأساسية في تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، وهذا يتطلب على الدول والحكومات إعادة صياغة استراتيجياتها ووضع المبادرات والحوافز اللازمة من جهة والاستثمار في الثقافة والفنون وتطوير البيئة الحاضنة للاقتصاد الإبداعي بشكل أكبر من جهة أخرى. وتعزيز هذا القطاع ينطوي في جوهره على فرص سانحة للانطلاق نحو أفق أوسع في مسار التنمية المستدامة، وكذا تحقيق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
و قد تصدرت مصر في هذا النوع من الاقتصادات عالميا مدعومه بتاريخها و بثقافتها المتعدده التخصصات و فنونها المتنوعه التي وضعت الدوله المصريه منار جاذب لكافه انواع الفنون
و قد برز الاقتصاد الإبداعي في الآونة الأخيرة؛ نظرًا لكونه أحد روافد الاقتصاد العالمي، حيث شكل هذا النمط من النشاط الاقتصادي مصدرًا مُستدامًا لتعزيز النمو ودفع عجلة التنمية الشاملة المنشودة لاقتصادات الدول؛ نظرًا لما يحمله في طياته من العديد من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية. وتعُد الصناعات الإبداعية من أسرع الصناعات نموًا في العالم، ويعزى ذلك إلى اعتمادها على موارد فريدة من نوعها، ألا وهي الفكر الإبداعي. وتقوم هذه الصناعات على أساس تحويل الأفكار الإبداعية إلى سلع وخدمات قابلة للنشر والعرض والتداول والاستهلاك على غرار الفنون والتراث ووسائل الإعلام والإبداع الفكري المتنوع المرئية والمسموعة والمقروءة وكذا الحرف التراثية. وقد أولت الأمم المتحدة الاقتصاد الإبداعي أهمية متزايدة باعتباره أمرًا ديناميكيًّا في ضوء المتغيرات الدولية المُتسارعة التي يضج بها الاقتصاد العالمي وما يشهده من انتقال تدريجي من الاقتصاد التقليدي المُرتكز على العناصر المادية للإنتاج إلى الاقتصاد المعرفي القائم على الابتكار والإبداع.
وفي هذا الصدد، أعلنت الأمم المتحدة يوم 21 أبريل يومًا عالميًّا للابتكار والإبداع بغية رفع الوعي بالدور الحاسم للإبداع والابتكار في التغلب على التحديات التنموية وإطلاق العنان لتسخير الإمكانات الاقتصادية للدول لدعم الصناعات الإبداعية، بما يُتيح فرصًا جديدة للبلدان النامية، ناهيك عن ربط الأمم المتحدة للاقتصاد الإبداعي بأجندة التنمية المُستدامة.
وتجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد الإبداعي من شأنه أن يُسهم في تحقيق مجموعة من أهداف التنمية المُستدامة، على رأسها: الهدف الأول (القضاء على الفقر)، والهدف الخامس (تعزيز المساواة بين الجنسين)، والهدف الثامن (تعزيز العمل اللائق والنمو الاقتصادي)، والهدف التاسع (الصناعة والابتكار والبنية التحتية)، والهدف العاشر (الحد من أوجه عدم المساواة). وفي السياق ذاته، تمتلك مصر موروثًا هائلًا من الثقافة والإبداع والفنون، جنبًا إلى جنب مع المقومات الداعمة للصناعات الإبداعية، حيث يتوافر بها العامل البشري والإبداعي، على سبيل المثال لا الحصر، صناعة التُلِّي التي يمتاز بها صعيد مصر والسجاد اليدوي ومشغولات الخزف والنحاس.
ومن هذا المنطلق، يستعرض معلومات الوزراء الوضع العالمي للصناعات الإبداعية، كما يُسلط الضوء على الوضع الحالي للصناعات الإبداعية في مصر، بالإضافة إلى استعراض الجهود الحثيثة في هذا الشأن، كما يتطرق إلى مناقشة أهم السياسات المُقترحة لدعم الاقتصاد الإبداعي في مصر.
الوضع العالمي للصناعات الإبداعية.. أهمية متزايدة
على الصعيد العالمي، شهدت نسبة العمالة التي خلقتها الصناعات الإبداعية زيادة ملحوظة، لا سيما في فئة الشباب (التي تتراوح أعمارهم بين 15- 29 عامًا)، مقارنة بالقطاعات الأخرى. فوفقًا لتقرير توقعات الاقتصاد الإبداعي لعام 2022، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD، قامت معظم البلدان منذ عام 2015 بوضع استراتيجيات وخطط وطنية تهدف إلى تطوير الصناعات الإبداعية ودعمها على الصعيد الوطني، كما شرعت في قياس المساهمة الاقتصادية لصناعاتها الإبداعية كالمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، وحصة السلع والخدمات الإبداعية من إجمالي الصادرات والواردات، ونسب المشاركة في الثقافة وعدد العاملين في القطاع الإبداعي، وإجمالي أعداد المؤسسات النشطة فيه، ويُعزى ذلك إلى زيادة إيرادات تجارة السلع والخدمات الإبداعية.
وفي هذا الصدد، يشير التقرير إلى أن الصادرات العالمية من السلع الإبداعية قد شهدت زيادة ملحوظة خلال الفترة (2010-2020) لتبلغ حوالي 524 مليار دولار في عام 2020، مقارنة بحوالي 419 مليار دولار في عام 2010، فضلًا عن ذلك، ارتفعت الصادرات العالمية من الخدمات الإبداعية خلال الفترة نفسها من حوالي 487 مليار دولار في عام 2010 لتبلغ حوالي 1,1 تريليون دولار في عام 2020. وعليه، يُمكن القول إن هناك وتيرة نمو بين صادرات السلع والخدمات الإبداعية على مدار السنوات الماضية، كما يُمكن أن تكون هذه التجارة مهمة للاقتصادات النامية لخلق فرص تجارية جديدة وتنويع هيكل الصادرات.
ومع ذلك، فقد تضرر القطاع الإبداعي جراء جائحة كوفيد-19، حيث انخفضت صادرات السلع الإبداعية عالميًا بنسبة تُقدر بحوالي 12.5% في عام 2020، في حين انخفضت صادرات جميع السلع بنسبة 7.2% فقط. كما تكبدت هذه الفترة خسارة ما يقرب من 10 ملايين وظيفة في القطاعين الثقافي والإبداعي. وقد ظهر تأثير الجائحة جليًّا على القطاع الإبداعي في إفريقيا، حيث كان أكثر القطاعات الفرعية تضررًا هو قطاع التراث والفنون الأدائية والبصرية، إلا أن صادرات السلع الإبداعية قد بدأت في التعافي منذ عام 2021. وتجدر الإشارة إلى أنه بحلول عام 2030، فإن القطاعات الإبداعية ستلعب دورًا حاسمًا في تعزيز النمو الاحتوائي والصادرات والتنوع الثقافي.
الصناعات التراثية: مصر ما بين مقومات كامنة وجهود حثيثة
تُمثل الصناعات الإبداعية قيمة مضافة للاقتصاد المصري؛ نظرًا لما تحظى به مصر من مقومات هائلة في العديد من الصناعات التراثية، لا سيما صناعة التلِّي في صعيد مصر، كما أن لديها موروثًا ثقافيًّا وفنيًّا يعتمد على التراث المصري، وهو الأمر الذي يؤهلها للمنافسة في الأسواق الخارجية. ففي عام 1998، قام "جون غاليانوط بعرض "التلِّي" في مجموعته الخريفية لكريستيان ديور، وهو ما حظي بشهرة واسعة في مجال الموضة. كما أضافت الملابس الجاهزة والأوشحة ذات الأهداب المصنوعة من القماش المطرز التي تشتهر بصناعتها محافظة أسيوط وسوهاج لمسة كلاسيكية إلى الأزياء العالمية.
وتشتهر مصر كذلك بصناعة السجاد اليدوي؛ حيث يوجد قرى مصرية كاملة تعمل بالسجاد اليدوي، مثل قرية "أبو شعرة" بمركز أشمون بمحافظة المنوفية، وتمثل تلك الصناعة أكثر من 80% من دخل أُسر تلك القرية. ومن الجدير بالذكر أنه يتم تصدير السجاد اليدوي إلى الدول الأوروبية، حيث يتزايد الطلب العالمي على السجاد اليدوي المصري، وتشتهر تلك القرية أيضًا بوجود النول في معظم البيوت. كما تجدر الإشارة إلى أن فئة السيدات في هذه القرية تعد الفئة الأكثر عملًا في تصنيع السجاد اليدوي لتوفير مصدر دخل للأسرة من خلال الاشتراك ببعض المشاغل اليدوية التي تقام في القرية.
وفي إطار تزايد الطلب العالمي على الصناعات الإبداعية والتراثية، وضعت الحكومة المصرية هذه الصناعة على رأس أولوياتها بغية النهوض بقطاع الحرف والصناعات اليدوية في المحافظات المختلفة. وفي هذا الإطار، قام مركز تحديث الصناعة خلال الفترة (2006-2015) بإطلاق عدة برامج داعمة رامية إلى زيادة العوائد المحُققة من صادرات قطاع الصناعات اليدوية وتنشيط الأسواق المحلية، وتم توقيع بروتوكول تعاون بين كل من مركز تحديث الصناعة والمجلس الثقافي البريطاني في عام 2019؛ حيث يهدف هذا البرتوكول إلى دعم قطاع الصناعات الإبداعية، وذلك من خلال ربط المصممين المبدعين بمصنعي الحرف اليدوية والتراثية لتطويرها في خمسة قطاعات فرعية، ألا وهي: (الكليم اليدوي، التُلِّي، الألباستر،الخيامية، الفخار). وتم ربط المصممين بالتجمعات الحرفية في كل من محافظات الوادي الجديد، والأقصر، والقاهرة، وسوهاج. فضلًا عن ذلك، تم إطلاق العديد من المبادرات خلال الفترة (2016- 2019) من أجل تشجيع الصناعات التراثية واليدوية على غرار مبادرة “صنايعية مصر” و”إبداع من مصر”، ومعرض “تراثنا” و”مشروعك”، وحملة “قومي يا مصر”.
وجدير بالذكر أن دعم هذه الصناعات من شأنه أن يحد من معدلات الفقر، خاصة في صعيد مصر ويُعزز من تمكين المرأة المصرية، ومن ثم تعزيز فرص العمل اللائق والمساواة بين الجنسين، بما ينعكس بدوره على زيادة معدلات النمو الاقتصادي ويُسهم في تحقيق التنمية المستدامة في مصر.
كما أنه على الصعيد المحلي كان النصيب الأكبر لكل من صناعة الحرف الفنية والتصميم خلال الفترة (2003-2022)، ويرجع ذلك إلى الاختلافات المتنوعة للثقافات التي تتواجد في مصر من تواجد التراث الفرعوني، مرورًا بالفتح الإسلامي. وعلى الرغم من الارتفاع الذي شهدته صادرات الحرف الفنية، فإن ارتفاع أسعار المواد الخام الداخلة في الصناعة، مع تقلبات سعر الصرف، قد أدى إلى انخفاض صادرات الحرف الفنية. وتجدر الإشارة إلى أن صادرات مصر من الحرف الفنية قد بلغت ذروتها عام 2011، والتي قُدرت بحوالي 627 مليون دولار، ثم تبع ذلك هبوط في قيمة الصادرات منها؛ جراء التحولات التي شهدتها مصر في تلك الآونة، إلا أن صادرات صناعة الحرف الفنية رجعت للتحسن وظهر ذلك ظهر جليًّا خلال عام 2020. ثم انخفضت إلى حوالي 148 مليون دولار خلال عام 2022 مقارنة بحوالي 293 مليون دولار خلال عام 2020 نتيجة جائحة كوفيد-19. بينما يُعد كل من السمعيات والبصريات، والفنون التمثيلية، والنشر، ووسائل الإعلام من أقل الصناعات الإبداعية تصديرًا، والتي تحظى بنصيب ضئيل من إجمالي صادرات منتجات الاقتصاد الإبداعي كما هو موضح بالشكل. ومع ذلك، فإن هناك اتجاهًا تصاعديًّا تشهده صادرات النشر لتصل لنحو 6.6 ملايين دولار خلال عام 2022.
السياسات المُقترحة لدعم الاقتصاد الإبداعي في مصر
وتأسيسًا على ما سبق، هناك بعض السياسات المُقترحة في ظل الدور المُتعاظم للاقتصاد الإبداعي، والتي من شأنها خلق بيئة إبداعية مواتية في مصر، وذلك على النحو التالي:
دعم المكانة الثقافية لمصر وإدراج الصناعات الإبداعية والتراثية في منظمة اليونسكو من أجل صون التراث الثقافي غير المادي وجعل المنتج المصري أكثر رواجًا وتنافسية في الأسواق الخارجية.
تكثيف الترويج للصناعات الإبداعية والثقافية في مصر من خلال الترويج الإلكتروني والمعارض الخارجية والبعثات الترويجية وتنظيم لقاءات مع رواد الأعمال والمصممين.
استقطاب المبدعين وأصحاب المواهب والمؤسسات والشركات الإبداعية ومنحهم حزمًا من التسهيلات اللازمة، من أجل تمكينهم من تأسيس مشاريعهم الإبداعية في بيئة أكثر مرونة، تضمن لهم استغلال إبداعاتهم في الفرص الاستثمارية المتاحة.
وضع استراتيجيات وتشريعات تدعم قطاع الصناعات الإبداعية من جهة، وتُحفز مزاولة الأنشطة القائمة على الابتكار من جهة أخرى، على أن تكفل هذه التشريعات حماية حقوق الملكية الفكرية للمبدعين ورواد الأعمال، فضلًا عن تعزيز الوعي بأهمية الاستثمار في القطاع الإبداعي، وبدوره بالغ الأهمية في النهوض بالقطاعات الاقتصادية الأخرى.



