تتدفق سنويًا ملايين الأطنان من الملابس المستعملة إلى أسواق دول الجنوب العالمي، غير أن ضعف جودة جانب منها قد يحولها من أداة لإعادة الاستخدام إلى عبء اقتصادي وبيئي.
ولذا فإن معالجة الأزمة تتطلب قواعد دولية أوضح لتحميل المنتجين والدول المصدرة مسؤولية إعادة تدوير الملابس والتعامل مع نفاياتها.
و تتدفق سنويًا ملايين الأطنان من الملابس المستعملة من دول الشمال العالمي إلى دول الجنوب العالمي، تحت عناوين ترتبط بالاستدامة والاقتصاد الدائري.
وتشير مودرن بوليسي على موقعها الالكترونى الي انه يُنظر إلى التبرع بهذه الملابس في الدول الغنية باعتباره سلوكًا بيئيًا يطيل عمر المنتج ويحد من أثره الكربوني، غير أن هذه الصورة تتغير عند وصول الشحنات إلى الدول المستقبلة، حيث تتحول من ممارسة تبدو نافعة إلى عبء اقتصادي وبيئي واضح، خصوصًا عندما تتجاوز الكميات الوافدة قدرة الأسواق المحلية على الاستيعاب.
وفي هذا السياق، لا تقتصر المسألة على توفير سلع منخفضة التكلفة للمستهلكين، بل ترتبط ببنية تجارية غير متكافئة تسمح للدول المتقدمة بتصريف فائض استهلاكها خارج حدودها.
وبدلًا من دعم التصنيع المحلي أو نقل الخبرات أو بناء قدرات إنتاجية جديدة، تدعم هذه التجارة نشوء سوقًا قصير الأجل يقوم على إعادة بيع منتجات مصنوعة في الخارج، بما يعزز الاعتماد على الواردات المستعملة ويضعف فرص نمو الصناعات النسيجية الوطنية في الدول المستقبلة.
واتصالًا بذلك، يبرز البعد البيئي بوصفه أحد أهم أوجه الأزمة. فقد أدى نموذج الموضة السريعة إلى زيادة كبيرة في إنتاج الملابس، وما يرتبط بذلك من انبعاثات واستهلاك واسع للمياه وتراكم للنفايات. وتقوم بعض الدول التي تمتلك فوائض كبيرة من الملابس بتصديرها باعتبارها منتجات قابلة للاستخدام، رغم أن جزءًا منها لا يصلح للبيع أو الاستعمال، وهو ما يجعل عملية الفرز والجودة عنصرًا حاسمًا في تقييم هذه التجارة.
ومن ناحية أخرى، تكشف التقديرات الواردة عن أن نحو 40% من واردات الملابس المستعملة في بعض أسواق الجنوب العالمي تكون غير قابلة للبيع بسبب ضعف الجودة.
ومع غياب بنية كافية لإعادة تدوير المنسوجات، تتحول هذه الملابس سريعًا إلى نفايات حضرية، فتتراكم في المكبات أو المساحات المفتوحة، وقد يؤدي حرقها إلى انبعاث غازات سامة، بينما يسهم تحلل الأقمشة الصناعية ببطء في تلويث المجاري المائية والبيئات البحرية بجزيئات بلاستيكية دقيقة.
وعلى مستوى الحوكمة، تستمر هذه التجارة بسبب فجوات تنظيمية في النظام التجاري العالمي، إذ تُعامل الملابس المستعملة غالبًا كسلع تجارية لا كنفايات محتملة.
ويتيح هذا التصنيف تجاوز قيود بيئية أكثر صرامة، ويحد من قدرة الدول المستقبلة على مساءلة المنتجين أو المصدرين عن جودة الشحنات وتكاليف التخلص منها.
كما أن بعض الأدوات التنظيمية، مثل الملصقات البيئية التي تُستخدم لتوضيح مدى التزام المنتج بمعايير بيئية معينة، تظل عامة ولا توفر قواعد واضحة للتعامل مع الملابس منخفضة الجودة أو تحميل المسؤولية لمنشئ النفايات.
وختامًا، تكشف هذه الظاهرة عن الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم المسؤولية داخل سلاسل صناعة الأزياء العالمية. فلا يمكن تحقيق استدامة حقيقية عبر نقل أعباء التلوث من منطقة إلى أخرى.
ويتطلب التعامل مع هذه الأزمة إصلاح قواعد التجارة الدولية، وإعادة تعريف نفايات المنسوجات بوضوح، وتحميل الصناعات والدول المنتجة للفائض مسؤولية مالية ولوجستية عن إعادة التدوير والمعالجة النهائية، بما يربط خطاب الاقتصاد الدائري بممارسات فعلية أكثر عدالة.



