«ُالسفيرة عزيزة».. من الريف إلى منصة الأمم المتحدة

السفيرة عزيزة
السفيرة عزيزة



تحول اسم السفيرة عزيزة في الوجدان الشعبي العربي والمصري من مجرد لقب تاريخي ارتبط بالرائدة "عزيزة حسين"، إلى أيقونة سينمائية ومثل شعبي دارج يُضرب للمرأة ذات الدلال، والمكانة الرفيعة، أو تلك التي تحاط بهالة من التعظيم.

ففي الثقافة الشفهية، يتردد سؤال: "فاكرة نفسك السفيرة عزيزة؟" تعبيراً عن الترفع أو التدلل المفرط، وجسدت السينما المصرية هذه الأيقونة في فيلم "السفيرة عزيزة" (1961)، حيث لعبت الفنانة سعاد حسني دور الفتاة الجميلة التي يتصارع عليها الجميع وتتحكم في مصير من حولها، كما وظفت الدراما الاسم في مسلسل "حديث الصباح والمساء" عبر شخصية "عزيزة" التي حظيت بمكانة استثنائية، ليظل الاسم رمزاً للمرأة القوية والمميزة في مجتمعها.

عزيزة حسين لم تكن مجرد زوجة دبلوماسي رافقت شريكها إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، بل مصلحة اجتماعية، وصوتاً جسوراً غيّر نظرة المجتمع الدولي للمرأة العربية والمسلمة، وهي رائدة العمل الاجتماعي في مصر وأول امرأة مصرية وعربية تُمثل بلادها في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1954، وعُرفت تاريخياً بلقب "السفيرة عزيزة"، وأصبحت أيقونة للدبلوماسية النسائية ونضال المرأة في المحافل الدولية.

 عزيزة حسين ولدت في 30 مايو عام 1919 بقرية "ميت يعيش" التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، والدها هو الدكتور سيد شكري، طبيب نساء وولادة فهو مستنير وكان له الأثر الأكبر في تكوين شخصيتها.

تلقت تعليمها في مدرسة "المير دي ديو" الفرنسية، ثم تخرجت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1942، تزوجت عام 1945 من الدكتور أحمد حسين باشا، وزير الشؤون الاجتماعية الأسبق وأول سفير لمصر في واشنطن بعد ثورة يوليو، مما فتح لها آفاق العمل الدبلوماسي والمجتمعي.

سطرت اسماً لا يُمحى في تاريخ الدبلوماسية الشعبية والرسمية، لتصبح أول سيدة مصرية وعربية تقتحم أروقة الأمم المتحدة، وتضع قضايا ريف بلادها على طاولة صناع القرار العالمي.

بعد ثورة يوليو 1952، عيّن الرئيس جمال عبد الناصر زوجها، الدكتور أحمد حسين، سفيراً لمصر في واشنطن نظراً لحنكته، وفي أمريكا، لم تكتفِ عزيزة بالقيام بالدور البروتوكولي، بل قادت "دبلوماسية شعبية" عبر إلقاء محاضرات في الجامعات والمحافل الأمريكية للتعريف بمصر والثورة والدفاع عن القضايا العربية والمصرية ضد الدعاية المضادة والتهديدات البريطانية في منطقة القناة.

هذا الحضور الثقافي البارز، وخلفيتها العميقة في العمل الأهلي بمصر والتخرج في الجامعة الأمريكية عام 1942، لفت أنظار الحكومة المصرية، وأدركت الدولة حينها أهمية وجود وجه نسائي مثقف يعكس الوجه الحضاري الجديد لمصر بعد الثورة.

 بناءً على ذلك، تم إنابتها رسمياً عام 1954 لتنضم لوفد مصر وتلقي كلمة البلاد في اللجنة الاجتماعية والثقافية بالأمم المتحدة، ونتيجة لأدائها المبهر تم ترشيحها وتعيينها رسمياً في "لجنة وضع المرأة" بالمنظمة الدولية، وهو المنصب الذي حافظت عليه لنحو 15 عاماً متتالية.

 ارتبطت مسيرة السفيرة عزيزة بمواقف تاريخية اتسمت بالجرأة الفكرية، ومن أبرزها:تصحيح المفاهيم حول الإسلام والشرق: في خطابها الأول أمام الأمم المتحدة عام 1954 بحضور وفود 60 دولة، فاجأت الجميع بالحديث باللغة الإنجليزية عن الحركة النسائية المصرية، وأكدت بجرأة أن الدين الإسلامي هو دين تقدم وتطور مَرِن لا يعرف الجمود، ويسمح بتمكين المرأة ومواكبة العصر، مما دفع وفد دولة الدومينيكان للمطالبة بتدوين نص كلمتها كاملاً في محضر الجلسة الرسمي إعجاباً بها.

وفي وقت كانت تخشى فيه حتى الدول المتقدمة طرح ملفات الصحة الإنجابية، فجرت عزيزة حسين ما وُصف بـ "القنبلة" في أروقة الأمم المتحدة بطرحها ملف "تنظيم الأسرة" والممارسات الضارة بالمرأة، دافعت عن الفكرة انطلاقاً من الواقع الريفي المصري، ونجحت بعد عامين في إجبار المنظمة الدولية على إدراج تنظيم الأسرة رسمياً على جدول أعمالها.

كانت عزيزة حسين من القلائل الذين شاركوا بفاعلية في صياغة الاتفاقية الدولية لمنع التمييز ضد المرأة عام 1962، وقادت على مدى 7 عقود متواصلة حرباً شرسة ضد ختان الإناث، وأسست أولى الحضانة الريفية لتمكين الفلاحات.

رحلت "السفيرة عزيزة" عام 2015 عن عمر ناهز 96 عاماً، تاركةً خلفها إرثاً يؤكد أن الدبلوماسية ليست مجرد مناصب، بل هي إيمان بالقضايا الوطنية وقدرة على قيادة التغيير من القرية الصغيرة إلى منصات العالم.






 

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا