لم يكن شهر رمضان عبر التاريخ شهر عبادة وروحانية فحسب، بل كان أيضًا مسرحًا لأحداث ومعارك مفصلية غيّرت مسار العالم الإسلامي وأثّرت في مجريات التاريخ الإنساني، ظل رمضان شاهدًا على قرارات مصيرية لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل نتاج تخطيط وتحضير طويلين، أنتجا تحولات عميقة في مسار التاريخ الإسلامي، هكذا ارتبط رمضان بمحطات صنعت تحولات عسكرية وسياسية وحضارية عميقة، مع ملاحظة أن بعض الأيام شهدت أحداثًا مؤكَّدة بيومها، وأخرى ارتبطت بأحداث وقعت في رمضان دون تحديدٍ قاطع لليوم.
ومن أهم تلك الأحداث،هو ما حدث يوم 22 رمضان حيث شهدت الأيام التي أعقبت فتح مكة تحولات عسكرية وسياسية مهمة في تاريخ الدولة الإسلامية الناشئة، إذ عمل النبي محمد بن عبد الله على تثبيت الأمن في شبه الجزيرة العربية، وإزالة بقايا المراكز التي كانت تمثل تهديدًا عسكريًا أو دينيًا، ولذلك أُرسلت عدة سرايا عسكرية لتأمين الطرق ومواجهة بعض زعماء المشركين الذين استمروا في التحريض ضد المسلمين، وذلك بالتوازي مع الاستعداد لمواجهة قبيلتي هوازن وثقيف، وهي المواجهة التي انتهت لاحقًا بحصار غزوة الطائف.
بعد دخول المسلمين مكة دون مقاومة كبيرة في رمضان سنة 8 هـ، بدأت مرحلة جديدة من تثبيت السلطة في الحجاز، فقد بقيت بعض القيادات القبلية التي كانت ترى في صعود الدولة الإسلامية خطرًا على نفوذها السياسي والديني، خاصة في مناطق الطائف وما حولها، لذلك اتخذت القيادة الإسلامية خطوات استباقية، تمثلت في إرسال عدد من السرايا العسكرية لملاحقة المحرضين على القتال أوالذين واصلواعداءهم للمسلمين.
ومن أبرز هذه التحركات إرسال سرية بقيادة خالد بن الوليد إلى منطقة نخلة لهدم معبد العزى الذي كان من أهم مراكز العبادة لدى بعض قبائل العرب، وقد مثلت هذه المهمة خطوة رمزية وعسكرية في الوقت نفسه، إذ هدفت إلى إنهاء المراكز الدينية التي كانت تستخدم لحشد القبائل ضد المسلمين.
كما أُرسلت سرية بقيادة عمرو بن العاص لهدم معبد سواع الذي كانت تعبده قبيلة هذيل، وأسهمت هذه السرايا في تقليص نفوذ القوى المعارضة، وفي توجيه رسالة واضحة بأن مرحلة جديدة بدأت في الجزيرة العربية تقوم على توحيد السلطة وإزالة بؤر التمرد.
في الوقت نفسه كانت الأخبار تصل إلى المدينة ومكة بأن قبيلتي هوازن وثقيف تحشدان قواتهما استعدادًا لمواجهة المسلمين، وقد قاد هذا الحشد زعيم هوازن مالك بن عوف النصري، الذي جمع المقاتلين في محاولة لوقف تمدد المسلمين بعد فتح مكة، وردًا على ذلك خرج النبي محمد بن عبد الله بجيش كبير ضم نحو اثني عشر ألف مقاتل، في واحدة من أكبر الحملات العسكرية في تلك المرحلة.
وقد انتهت هذه المواجهة بانتصار المسلمين في غزوة حنين، حيث تفرقت قوات هوازن وثقيف بعد معركة شديدة، غير أن قسمًا من المقاتلين انسحب إلى مدينة الطائف وتحصن داخل أسوارها القوية، وهنا قرر النبي مواصلة الحملة العسكرية والتوجه إلى الطائف لفرض حصار عليها، في خطوة هدفت إلى إنهاء آخر مركز مقاومة كبير في الحجاز آنذاك.
وبالفعل بدأ حصار الطائف بعد أيام من معركة حنين، حيث استخدم المسلمون بعض الوسائل العسكرية مثل المنجنيق لمحاولة كسر تحصينات المدينة، ورغم قوة الدفاعات داخل الطائف، فإن الحصار شكل ضغطًا كبيرًا على قبيلة ثقيف، التي ستنتهي لاحقًا بإعلان إسلامها بعد فترة قصيرة.




