رغم مرور أكثر من قرن على ولادتها، ما زالت أغنية "سالمة يا سلامة" تتجدد وتثير الجدل، وتحمل في طياتها فصولاً من الإبداع الفني والتاريخي الذي عبر الأجيال واللغات.
الأغنية الأصلية تعود إلى عام 1919، حيث كتب كلماتها الشاعر الكبير بديع خيري، ولحنها الموسيقار سيد درويش، وقدمها لأول مرة نجيب الريحاني ضمن أحداث المسرحية الكوميدية "قولوله"، لتصبح فيما بعد إحدى علامات الفن المصري الكلاسيكي.

لكن المفارقة الكبرى جاءت بعد أكثر من نصف قرن، حين أعادت النجمة العالمية داليدا إحياء الأغنية، وقدمتها عام 1977 بنسختين: إحداهما بالعربية والأخرى بالفرنسية. وانتشرت الأغنية كالنار في الهشيم، لتصبح من أشهر أعمالها في أوروبا والعالم العربي.

وفي مذكراته "يومًا أو بعض يوم"، يروي الكاتب الكبير محمد سلماوي تفاصيل غير معروفة عن هذه النسخة الحديثة، حين التقى صلاح جاهين قبيل وفاته، وأسمعه تسجيلاً نادرًا بصوت داليدا وهي تغني الأغنية بكلمات عربية كتبها جاهين خصيصًا لها. وبينما استغرق صلاح في الاستماع بانبهار، انتبه فجأة إلى تغيير طفيف في الكلمات.
كانت داليدا قد غنّت:
"وقلبي محفوظ فيها"
بينما الكلمة الأصلية في النص كانت:
"وقلبي محفور فيها"
واكتشف جاهين أن الخطأ جاء من كتابته الكلمات بالحروف اللاتينية، حيث التبست الحروف على داليدا، فقرأت "محفور" على أنها "محفوظ". ورغم انفعاله الأول، هدأ صلاح بعد عدة استماعات، وقال مبتسمًا: "تصدق؟ كده أحلى!"، معتبرًا أن "قلب داليدا المحفوظ في شجرة مصرية" يحمل دلالة أكثر شاعرية من مجرد أن يكون "محفورًا" عليها.
في نهاية اللقاء، منح جاهين شريط التسجيل هدية إلى سلماوي، وكأنما يودع به قطعة من ذاكرته الفنية، تاركًا وراءه قصة جديدة تضاف إلى سجل الأغنية العريقة التي لا تزال تسكن وجدان المستمعين حتى اليوم.
"سالمة يا سلامة".. أغنية لا تزال تعبر الزمن، بكلمات تتبدل لكن بقلب واحد محفوظ في الذاكرة."




