الخشب القبطي.. عرايس ولعب ونواويس

.
.

كتبت - د. سماء يحيى

 

يطلق مصطلح النحت الخشبي القبطي على الأدوات والمنحوتات المصنوعة من الخشب، وأُنتجت في مصر في الفترة من القرن الرابع الميلادى وحتى العصور الوسطى.

 

مصر لم تكن يوما دولة غنية بالخشب، فقد لجأت لاستيراده من الخارج منذ عصور الأسرات، وفي العهد البطلمى بسبب ندرة الأخشاب فرض الحكام البطالمة قانونًا لإحلال زراعة الأشجار المقطوعة بأخرى، وتبعهم فى نفس السياسات الحكام البيزنطيون والحكام فى العصر الإسلامي، كانت مراكز إنتاج الخشب الأساسية فى اللاهون وأخميم بأسيوط والأشمونين، مع ذلك كان الاعتماد الأكبر فى الفترة من القرن الرابع للسابع على الأخشاب المستوردة.

 

كان النجارون يتخصصون فى تصنيع منتج خشبي معين مثل صانع الأبواب وصانع الخزائن وصانع النواويس "التوابيت"، أيضا كانت توجد مهن تصاحب النجارين مثل صناع الترابيس والمفصلات والمغاليق ونحاتي الخشب، بعض هؤلاء النجارين كانوا من الشهرة بحيث تخطت أسماؤهم زمانهم ونحتت على خلفيات المحاريب والأعمال الفنية دلالة على جودتها، ويوجد فى المتحف القبطي فى القاهرة لوحة تتحدث عن كاهن نجار، كما وجدت بردية فى دير أبيفانيوس فى طيبة تتكلم عن عقد بين الدير وتجار لإصلاح عربة وبناء باب.

 

أيضا عثر على نقش فى مدخل دير القديس أبولو فى باويط يطلب من المصلين الدعاء لسلام روح يوسف النجار فى صلواتهم، دير القديس باولو كان يحتوي على حامل أيقونة خشبي محفور يمثل الملاك ميخائيل ويعد درة الأسلوب القبطي في ذلك العصر، وهو معروض الآن في متحف الغردقة.

وترجع أغلب الأدوات التي استخدمها النجار القبطي إلى العصر الروماني تحديدا، وكانت المطارق والقواديم والمسامير والفؤوس والبلط وأدوات النقش وباقى الأدوات تصنع من البرونز والحديد، وتشبه إلى حد كبير الأدوات اليدوية التي ما زالت مستخدمة في العصر الحديث.

 

تقنية النقر واللسان كانت الأكثر استعمالا في التعشيق، لكن المسامير كانت أيضا مستخدمة في تلك الفترة، كما عُرفت الأحجبة المزخرفة وتفنن المصري القديم  فى بدايات صناعة القطع المزخرفة بالقوس والتي أفضت في العصور العربية إلى الأرابيسك، والتوسع في الشرفات المسماة بالمشربية، أيضا بدأ في نفس العصر استعمال تقنية الحشوات الخشبية، وفي القرن الثاني عشر راجت النجمة الخشبية التي كانت في تطور مستمر منذ نشأة المخرطة البدائية الأولى في العصر والهيلينستي.

 

تقنية صناعة الأواني المستديرة المحفورة باستخدام النحت بالقوس مثل أواني الكحل وعلب الدهانات والمراهم والتماثيل الصغيرة تقدمت جدا في الفترة القبطية، لكن لم يتم النحت على الأشكال المسلوبة باستدارة، وكان يكتفي بتلوينها.

تقنيات التلوين كانت متقدمة جدا لأن المصري القديم كان مولعا بتلوين الخشب وكان أهم وأكثر الألوان شيوعا الأسود والأخضر والأزرق والأحمر والوردي والأصفر الأوكر " لون أصفر بني قريب من لون الأرض الطينية الطبيعية".

 

كما عرف الفنان القبطى التطعيم بالصدف والعاج والمعادن والجلد والزجاج، وفي هذه الفترة أيضا عرف النقش وحفر الكلمات والجمل على الخشب الأمشاط، وكانت مثالًا على دقة النحت والحفر والتطعيم فى تلك الفترة.

القشرة أيضا استخدمت لكسوة الخشب لحفظه وتحليته في الأثاث والأعمدة، خاصة في الطراز القبطي العربي، إضافة للعاج والصدف، واستخدمت هذه التقنيات في ادوات الاستعمال اليومي مثل الصلبان والألعاب والصناديق وفى الاستعمال الطقسي؛ مثل تزيين المذبح؛ كمذبح كنيسة القديس سرجيوس بمصر القديمة.

 

الصناديق المخصصة لحفظ المواد والأدوات الطقسية والتي كانت تُصنع دائما على شكل مستطيل خشبي بدون أرجل،  يحفر ويزين بالصلبان والتوريقات النباتية الملفوفة على شكل دوائر كانت إحدى الطرز الشائعة في ذلك العصر.

ومن ضمن أعظم المصنوعات الخشبية فى العصر القبطي كانت توابيت أو نواويس دفن الموتى بتركيباتها المعقدة من عدة أجزاء تُربط بمفصلات ومشابك، وتُلون وتُحلى بالزخارف والصلبان والرموز القبطية، وكانت تلف بعناية كبيرة بالكتان ما حافظ عليها بحالة جيدة رغم  تحلل الجثث، وأهم هذه النواوبس الموجود في متحف المتروبوليتان من الخارج، ومجموعة أنتيوبوليس فى متحف اللوفر، وبالطبع تابوت الطاووس الذي لا نظير له في العالم وعُثر عليه في مقابر القرارة بالمنيا، ويستقر الآن بجامعة هايدلبرج بألمانيا.

ويحتوي المتحف القبطى بالقاهرة على عدد لا يحصى من الصلبان من كافة العصور والأحجام والأشكال محفور عليها أشكال القديسين والملائكة ومزينة بصور السيد المسيح.

 

أما الأبواب فبسبب ندرة وغلاء الخشب، كان فقراء المصريين يستعينون بالحصير والغاب لعمل الأبواب، ولكن الأبواب الخشبية بأديرة وادي النطرون وكنائس القاهرة المزخرفة والمحلاة تدل على صنعة هائلة، مثل الباب الموجود في متحف بروكلين وباب دير أبيفانيوس، وكانت بالأبواب أقفال سرية ومفاتيح خشبية تُحفر من قطعة الخشب الصلد، وهناك بعض المفاتيح المعدنية القليلة.

 

أيضا المغازل التي كانت تستخدم في غزل الصوف، كانت عادة تُزين برؤوس من العاج أو الحجارة المنقوشة بنقوش خفيفة، أما الأختام التي ما زال لها دور كبير في الحياة الطقسية القبطية، فكانت تناقش برموز دينية وزخارف وزهور، وأحيانا بقرص الشمس ورموز من مصر القديمة، الأختام كان لها أحجام حسب الغرض، سواء ختم الأبواب أو الجرار بالشمع والطين، أو ختم أرغفة القربان التي تقدم في الأعياد والمناسبات.

 أيضا بقي القليل من أدوات موسيقية خشبية مثل صناديق نوع من القيثار موجود فى متحف بروكلين، وصقافات مزخرفة وبقايا طبول مطعمة بالصدف والعاج.

بعض شواهد القبور كانت تصنع من الخشب وأغلبها وجد في باويط، وهذه الشواهد كانت لا تختلف في تركيبتها عن الشواهد الحجرية، وتحتوي على رموز مثل الصقور والحمام والزخارف النباتية وبعضها على شكل صلبان.

 

الألعاب القبطية الخشبية لم تختلف كثيرًا عن العصور السابقة، مجسمات الحيوانات والطيور التي كانت تسير على عجلات، والدمى التي كانت تصنع من عدة أجزاء تُربط مع بعضها بشرائط جلدية، وغيرها من الألعاب، وإن كانت تُلون أحيانا وتُطعّم وتُكسى فى أحيان أخرى.

أيضا كانت الأفاريز والأسقف المحفورة وعناقيد العنب والزخارف والثمار من مميزات المعمار القبطي اللافتة.

 

الدعامات الخشبية التي كانت تمسك حوائط القلايات ومداخل الأديرة والأضرحة أيضا، كانت تحفر بنقوش مميزة ورغم أن عدد المتبقي منها قليل حول العالم، لكنها عكست مستوىً رفيعًا من تقنيات وفنون الحفر، وتراوح النقش فيها ما بين الصلبان والتجريد، وبين مشاهد من العهد الجديد مثل دخول المسيح أورشليم، أيضا الأسطح الخشبية التي غطت جدران الكنائس وبعض هذه اللوحات كان يُلون بألوان زاهية ما زالت آثارها باقية حتى اليوم.

 

ربما كان ولع الفنان القبطي بالخشب رغم ندرته الكبيرة في مصر، راجع إلى أن مهنة النجارة كانت هي المهنة التي مارسها السيد المسيح، وأن الخشب هي مادة الصليب؛ ما جعل من الخشب جزءًا من الثقافة الشعبية، أو ربما كان لطبيعة الخشب الحميمية الجميلة والثرية التي جعلت في الإمكان صناعة فن فريد، لكن لا شك أن الخشب والنسيج كانا من العلامات المميزة للإبداع الفنى القبطي.

 

 

د. سماء يحيى

فنانة تشكيلية

 

ترشيحاتنا