يا مدقدق يا ابن عمي يا أبو خديد منقرش.. تاريخ الوشم في مصر

.
.

كتبت - شذى يحيى

 

يا أبو خديد منقرش يا عذاب الشقاوى

لفني في حضينك والله غيرك ما هاوي

قالوا بدل ما بدل قلت ما أرضى البديلة

وإزاى أبدل حبيبى بالقلوب الهبيلة.

الدق، الدك، النقرشة،المنقرش أو الوشم؛ غرام البشرية القديم والمؤلم جدا، تلك الثقوب التي تصنع في الجسد وتُحشى بالكحل او النيلة أو سخام الشمع المشحم ليختلط بالدماء صانعا رسوما خضراء لا تزول إلا بزوال الجسد، لتميزه عن غيره وتعيد بناءه.

حالة من كتابة تاريخ متفرد للفرد في الجماعة ليس على الورق لكن على الجلد واللحم من مصر القديمة لأمازيغ شمال أفريقيا وبدو غور الأردن والهلال الخصيب وشبه الجزيرة، فالفكرة واحدة والممارسة متشابهة مع بعض الاختلاف في الرموز.

الباحث توماس هال رأى أن رموز الوشم التي يحملها الجسد هي مضمون يحمل دلالة ثقافية تضيف إلى رصيد الفرد والجماعة، صورة تُطبع على جسد الإنسان وتختلط بدمه فتصبح رسالة مادية ومعنوية تعبر عنه وعن جماعته.

استعملته المجتمعات لأسباب عدة، لكن دائما كانت له وظائف رئيسية؛ الدق باللون الاسود دائما كان يستخدم للحسد والعين، أما الاخضر فكان للجمال والتحلية والزينة، فالوشم كان مجوهرات الفقراء يستخدمونه بديلا الأساور والغوايش، كما كان زينة للوجه أيضا، كان تعبيرا عن الحب والكره، المهنة، الأحلام، إثبات الشجاعة وحجاب وحماية ووقاية من الشر والحسد وطلبا للغنى والرزق والولد، كما أنه كان يمارس للعلاج فيوشم العضو المريض لإخراج المرض منه غالبا بنقاط ووحدات مثلثة.

 دراسة عن الوشم في مصر القديمة من خلال دراسة التماثيل المصغرة، توصلت إلى أن النساء كن يشِمْنَ أسفل الظهر وأعلى الساقين وحول الأعضاء التناسلية للوقاية من الامراض التناسلية والحماية أثناء الولادة، وأيضا راقصات الإلهة حتحور كن يضعن صورتها كوشم ويشمن أماكن لبس الحلي، وفي سنة ٢٠١٤ عثر على مومياء في دير المدينة عمرها حوالي ٢٣٠٠ سنة تحمل وشمًا على آخر الفخذ وآخر على الرقبة، وشوم أسماك وبقرة وعين حورس وغيرها من رموز الحماية وجدت منذ عصر الدولة الوسطى، لعل مومياء أمونيت كاهنة حتحور التي عثر عليها في الدير البحري أفضل مثال على وشم ذلك العصر.

دقاقين الوشم كانوا من النَوَر والغجر؛ نساء ورجال نوعان:

النوع الأول يطوف على القرى والنجوع للراغبين، معه أدواته التي لا تعدو مجموعات من ثلاث إلى ثمان إبر مجموعة بخرزة زرقاء أو بقطعة عجين ومربوطة بخيط مع السخام، وللكحل تغمس الإبر في السخام.

 وفي عصر قدماء المصريين كان يصنع ماء من الأعشاب لغسل الجروح المحشوة ويسمى ماء الآلهة، وفي العصور الحديثة كان يُكتفي بالماء والملح أو حليب أم حديثة الولادة، هؤلاء يرسمون الرسوم البسيطة العادية المجردة خطوطًا ونقاطًا ومثلثات وزهورًا وأسماكًا وثعابين.

النوع الثاني من الوشامين كان يفرش في الموالد والأسواق الكبرى، يرسم رسومًا أكثر تعقيدا وأكبر حجما، يحمل الوشام معه نماذج ملونة منها مرسومة على زجاج موضوع على لوح ومحاط بأُطر خشبية عادة ما تكون الرسوم لمهن ونساء وحيوانات ومشاهد من الحكايات الشعبية والمنمنمات والشخصيات الدينية، وهذه الرسوم تكون معبرة عن شخصية الموشوم أكثر من الأولى.

 

يا مدقدق يابن عمي.. روح قليبى آه يابا

أنا عطشان اسقيني.. روس خدودك شرابة

في مصر كان أغلب الناس يؤمنون أن أفضل وقت لدق الوشم في أغسطس وسبتمبر، من غير الواضح أن هذا المعتقد كان مرتبطًا بفيضان النيل في هذا الوقت، أو أن للطقس دورًا في هذا المعتقد، السمكة هي "الموتيفة" المفضلة لدى النساء في الصعيد، هى والنخلة رموز الخصوبة والإنجاب أيضا، أحيانا ما كن يحببن دق نقطة صغيرة على أرنبة الأنف أو ثلاث نقاط في منتصف الجبهة تسمى نجمة، كانت هناك أشكال أخرى؛ الوردة والقنطرة والثريا ودمعة القط وكحلة القط والسيالة والبرواز والمشط.. إلخ.

السيالة، أي الدق من الشفاه إلى أسفل الذقن، كان الأكثر شيوعا، أحيانا يكون على شكل سمكة أو نخلة أو مجرد خطوط ونقاط، البعض رجالا ونساء كان يدق عصفورًا وراء العين إبعادًا للصداع وحفظًا للنظر، كان هذا العصفور يسمى عصفور الفكر وأحيانا كانت تنفذ رموز للكواكب والأبراج وأشكال هندسية كنوع من الرقي والتعاويذ، الرجال كانوا يحبون وشم الجمل دليل قوة التحمل، والثعبان المخيف واسع الحيلة، أحيانا كان يُدق للأطفال حماية لهم من المرض.

وشوم السوق والمولد الأكثر تعقيدا كانت تعبيرًا عن شخصية أو حالة الموشوم، ماري جرجس والصلبان، المسيح والعذراء، محمل الحج وقباب المساجد، وغيرها من الرموز الدينية، كانت ذات شعبية كبيرة، أيضا الديك بعينه اللامعة وذكورته المفرطة، والاسد الشجاع الزناتي خليفة والزير سالم رموز الجدعنة أحيانا، كان الوشم يعبر عن المهنة؛ بائع العرق سوس، شرطي يقبض على مجرم أو الولع بالجوزة والحشيش، وأحيانا كان يحمل دلالات حسية؛ فتاة ترقص بثياب ملونة تحيطها سمكتان، حلم ببيت ورزق وخصوبة، تتعدد البنات، تلعبن الاكروبات، تقف في الشباك وحدها أو مع الحبيب، تمسك باقة ورد، قد يكتب مع الصورة اسمها أو جملة حب للعروسة، دائما شأن خاص في موروثنا الشعبي، حلم السنيورة أثرى الفن.

أيضا كانت لرسمة أبو الفوارس عنترة شعبية كبيرة، والوشم كان مقتصرا على الفلاحين والشعبيين والطبقات الدنيا؛ في العشرينات كتب السيد كالويانى مستشار المحكمة العليا في القاهرة أن الوشم مرتبط بالجريمة والدعارة وأن أي رجل يحمل وشمًا لا بد ان يكون قوادًا ومدمنًا على الحشيش والمورفين، وأي امرأة موشومة هى عاهرة منحلة.

مع ذلك فقد ظل الوشم حتى الستينات ملجأ الصعايدة البسطاء للتعبير عن حبهم، نشرت جريدة الاخبار تحقيقا عن مجموعة من أبناء الصعيد؛ أحدهم وشم صورة حبيبته مع سمكتين على صدره بعد أن اختفت ولم يعثر لها على أثر، والآخر وشم على ذراعه أسدين يتعاركان وبينهما عروسة، لأنه استطاع اقتناص قلب زوجته بعد صراع مع غريمه، وأخيرًا حكاية أحمد الذي لم يستطع الاعتراف لحبيبته مهدية بحبه فوشم العروسة على ذراعه وقال لها: "دي انتي يا مهدية"، فقبلت به زوجا على الفور.

الآن رجع الوشم موضة، لكن هذه المرة لدى الشباب المتفرنج ومحبات صيحات الماكياج، لكن ذهبت السيالة والمشط، وذهب الأسد والديك، ومعهم الزناتي وعنتر والزير وأحمد ومهدية.

وبقيت الألواح الزجاجية في المتحف الاثنوجرافي شاهدًا عليهم.

آه من الورد على خديك بالمسك منقط

بين أجفانك سلطان على ضعفي مسلط

 

 

 

 

شذى يحيى

باحثة في التاريخ الثقافي

 

ترشيحاتنا