عبدالنبي النديم يكتب: مستقبل أسواق الطاقة العالمية ..وضبابية المشهد

الكاتب الصحفي عبدالنبي النديم
الكاتب الصحفي عبدالنبي النديم

يواجه قطاع الطاقة في العالم تحديات غير مسبوقة، مدعومة بعوامل طارئة وأزمات سيطرت على السوق العالمي، بدءا من جائحة كورونا، وتلتها الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وتبعتها العمليات الأمريكية والانجليزية في البحر الأحمر ضد الحوثيين، مع استمرار المواجهة بين استخدام الوقود الإحفوري والمبادرات العالمية التي أطلقها مؤتمر المناخ لمواجهة التغييرات المناخية وخفض الإنبعاثات، الأمر الذي اكتسب زخمًا شديدا خلال العام 2023 وزخما أشد في 2024.
هذا بالإضافة إلى العوامل الجيوسياسية التي تحدد ملامح قطاع الطاقة العالمي، بالتطورات الحاصلة في تلك الصناعة العالمية الإستراتيجية، واقترانها بالعوامل الجيوسياسية التي فرضت على الدول إلزامية تعزيز أمن الطاقة، وكذلك الصراع بين الدول الصناعية الكبرى لمواجهة النداءات التي أطلقها مؤتمر المناخ كوب 27  بمصر وكوب 28 بالإمارات، الذين حاولو دون صدور صيغة إلزامية على الدول الكبري بالإلتزام بخفض الإنبعاثات، مع التوصية بزيادة الإعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، التي تشهد طفرة ملحوظة خلال السنوات الماضية، مع زيادة توليد الكهرباء من طاقتي الشمس والرياح عالميًا بنحو 55% في 2023، مقارنةً بنظيرتها في عام 2020، ورغم سيطرة إنتاج الهيدروجين على الاستثمارات المستقبلية للطاقة، بإعتباره وقود المستقبل، إلا أن هناك توقعات سلبية للهيدروجين والطاقة الشمسية والغاز.
والتنبوء بسوق الطاقة في المستقبل يشهد ضبابية وعدم استقرار الرؤية نتيجة الصراعات التي تسيطر على أنحاء متفرقة من العالم، وقد أصدرت شركة «وود ماكنزي» لأبحاث الطاقة واستشاراتها، توقعاتها لقطاع الطاقة العالمي خلال 2024، والتي تحمل الكثير من الواقعية وأهمها هو تباطؤ نمو سعة الطاقة الشمسية، رغم استمرار سعة الطاقة الشمسية العالمية في النمو بوتيرة سريعة خلال العقد المقبل، ستبدأ وتيرة النمو في التركيبات السنوية التباطؤ خلال العام المقبل، مقارنة بمعدلاتها في السنوات الأخيرة، وسيصل متوسط النمو السنوي في سعة الطاقة الشمسية خلال المدة بين 2024 و2028 إلى ما يقارب الصفر، مقارنةً بـ28% خلال المدة بين 2019 و2023، بحسب تقرير أهم 10 توقعات في قطاع الطاقة.
وثاني هذه التوقعات هو تواصل صعود الطاقة النووية خلال عام 2024، والتي من المتوقع أن تحظى بدعم واسع النطاق بوصفه أحد الحلول لأزمة الطاقة العالمية، وذلك للمرة الأولى في أكثر من نصف قرن، ولدينا في مصر تولي القيادة السياسية أهمية قصوى لتوليد الكهرباء من الطاقة النووية، بمشروع مصر العملاق بمحطة الضبعة النووية.
كما توقعت وود ماكنزي انخفاض استثمارات الغاز الطبيعي، بتراجع وتيرة الاستثمارات في قطاعي الغاز الطبيعي والغاز المسال نتيجة سعي حكومات الدول إلى تحقيق التوازن بين جهود الحياد الكربوني، وتعزيز أمن الطاقة، فالاستثمارات في إمدادات الغاز المسال الجديدة ستتجه إلى التباطؤ في عام 2024، نظرًا إلى حجم الاستثمارات التي ضخت بالفعل وإعادة التوازن المتوقّع في السوق.
وكان البند الأول في التوقعات لوود ماكنزي، هو تباطؤ إنتاج النفط من خارج «أوبك»، حيث شهد عام 2023 زيادة كبيرة في إنتاج النفط من قِبل الدول غير الأعضاء في منظمة «أوبك» بواقع مليوني برميل يوميا، مما زاد الضغط على تحالف «أوبك+» لخفض إنتاجه بهدف إحداث التوازن في السوق، مع تزايد أرباح منتجي النفط والغاز الأمريكي، وكذلك نجاح شركات النفط والغاز الأمريكية في تحقيق أرباح رغم تراجع إنفاقها الرأسمالي.
وأعتقد أن الفترة القادمة بدءا من العام الجاري2024  ستعمل الشركات الأمريكية في مجالات البحث والاستكشاف والإنتاج للغاز والبترول على الإندماج مع نظيرتها العالمية المتمثلة في الشركات متعددة الجنسيات، بعد عزوف المستثمرون ورفضهم زيادة الإنتاج لصالح التوزيعات النقدية.
ورغم التصريحات المتتالية من مختلف دول العالم، في وضع مئات المليارات من الدولارات في السعى لإنتاج الهيدروجين إلا أن التوقعات تؤكد تباطؤ استثمارات الهيدروجين الأخضر، رغم تنامى الطموحات الخاصة بمشروعات الهيدروجين الأخضر حول العالم, ومع ذلك فإن معدل اكتمال مشروعات الهيدروجين الأخضر المنتج بتقنية التحليل الكهربائي سيظل بطيئا، في ظل استمرار كفاح المطورين للتغلب على العقبات الرئيسة، مثل التكلفة العالية.
ومن خلال متابعتي لمؤتمر المناخ بشرم الشيخ كوب 27  ومؤتمر المناخ بالإمارات كوب 28، التي شهدت زخما غير محدود لمواجهة ظاهرة الإنبعاثات والمحافظة على المناخ، والتي توصلت في النهاية لإنشاء صناديق للعمل على تقليل الانبعاثات خاصة من قبل الدول الصناعية الكبرى، ففي عام 2024 ستنتقل المشروعات الجاري تطويرها في قطاع احتجاز الكربون وتخزينه من مرحلة التجريب إلى مرحلة التسويق التجاري، وسيشهد 2024 للمرة الأولى نشر تقنيات جديدة لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون مثل الامتصاص الصلب وإعادة التدوير الحيوي بالكامل، باستعمال تقنيات الهندسة الجيولوجية لتعزيز قدرة الكوكب على امتصاص الكربون، وعكس ضوء الشمس إلى الفضاء؛ ما يساعد على الحفاظ على برودة كوكب الأرض..
إن سوق الطاقة العالمي في مختلف مجالاته، يشهد بالفعل ضبابية شديدة نتيجة الصراعات الجيوسياسية، والأزمات العالمية التي واجهها العالم، فتحديات الطاقة هائلة ومعقدة، وأمن الطاقة والحصول عليها، أصبح الشغل الشاغل لكافة دول العالم، والذي يتطلب استثمارات كبيرة في مصادر الطاقة كافة، وفي كافة التقنيات، لتلبية احتياجات الشعوب..

 

ترشيحاتنا