أخر الأخبار

محمد القصبي يكتب: هل بدأ  "سكر " شقاوته وهو جنين !!!

محمد القصبي
محمد القصبي

أهذا الذي يكتبه د.رضا سكر في كتابه " شقاوة سكر "  يقبل التبنيد في خانة السرد الأدبي..؟
هذا ما لوح به على غلاف الكتاب..حين ذيل العنوان بهذه العبارة " حكايات من الأدب الساخر " ..
......
مع تصفحي أولى حكاياته   " كدا رضا " ارتد بي الزمن إلى  منتصف ثمانينيات القرن الماضي..حينها كنت مدير تحرير مجلة الأسرة العمانية.. حيث هاتفني صديقي الأديب الراحل عبد الستار خليف..وكان يرأس القسم الثقافي في جريدة الوطن العمانية..ليخبرني بأن كاتبنا الكبير يوسف الشاروني يريد لقائي..سألته في دهشة : أهو هنا ..في مسقط..؟!!
فقال: حدثت خلافات مع وزير الثقافة  د.عبد الحميد رضوان..فقدم استقالته من الوزارة ،  وهو الآن يعمل مترجما  في شركة تنمية نفط عمان..
  اللقاء تم  سريعا في منزلي
ليفاجئني كاتبنا الكبير   بأنه مهتم بقراءة ماأكتبه في افتتاحية مجلة الأسرة..
ألأنها حكايات من الواقع الاجتماعي العماني..التي ربما لم تجرؤ صحيفة على الاقتراب منها ..وبالتالي تشتعل بالكثير من المثيرات المشهيات للقراءة؟!

وهذا ماسعيت إليه..أن تكون افتتاحية المجلة الأسبوعية  " سوالف " عما يمور تحت جوانح المرأة العمانية من ثورة تطلعات لتأكيد ذاتها واستحقاقية أن تكون مثل الرجل في واجهة المجتمع المتأجج بشهوة النهوض والرقي مع تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم عام ١٩٧٠..والذي عزم منذ يومه الأول في قصر الحكم على إعادة هيكلة المجتمع العماني على أسس من الاستنارة..
 سألت  أستاذي بشغف عن رأيه فيما أكتب .
فقال: تلك الحكايات قصص قصيرة مجهضة..
- بمعنى ؟
 - محتاجة قدرا من العناية والتجويد لتكون سردا أدبيا...
أذهلني ما سمعت..فما كان في أجندة طموحاتي 
أن أكتب أدبا..أن أكون أديبا..
لكنني فوجئت بنفسي أعاود قراءة ماكتبه يوسف إدريس في القص القصير ..نجيب محفوظ..جمال الغيطاني .. إدجار ألان  بو  ..جارثيا ماركيز و...غيرهم ..
..
وبالطبع ماكان ثمة قواعد صارمة مشتركة بين  ما أقرأ ..سوى مثلا التكثيف..محدودية الشخصيات ..محدودية الزمان ..محدودية الحيز الجغرافي..ورغم أنها قواعد عامة إلا أن الكثير   مما قرأت من قصص قصيرة تتمرد عليها ..بل لاحظت مثلا أن نجيب محفوظ يكتب القصة القصيرة بـ "نفَس" الرواية..وهذا حال إدجار ألان بو ..
بينما يكتب يوسف إدريس الرواية مثل البيضاء ب" "نفَس"  القصة القصيرة..
ولأنني لست ناقدا ..بل رؤيتي في النهاية انطباعية.. كان يستعصى علي رص قواعد على طاولتي، لتحديد ما إذا  كان هذا الذي أقرأه مثلا من قص قصير  يلتزم بتلك القواعد أم لا!!
وهذا ما " شاب" بعد ذلك تجربتي الأدبية. ..فهل ما أكتب من قصص قصيرة سوف يصنفه  النقاد بالفعل  "قصا قصيرا" ؟! ..
ذلك أنني  فوجئت بأن  الخلاف بين رؤى العديد من النقاد يصل إلى حد الانشطار الأخدودي ..كما حدث مع قصتي القصيرة " أحلام الموتى" والتي اختارها مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع .. كنموذج للقصة القصيرة المصرية ليضمها إلى كتاب مختارات من القصة القصيرة في ١٨ بلدا عربيا ..الصادر عام ١٩٩٥  تحت إشراف الناقد الكبير د.أحمد الطاهر مكي،  وتم تدريسه في كلية دار العلوم والجامعة الأمريكية.. كما ترجم إلى اللغة الانجليزية..
قصتي "أحلام الموتى"  التي نالت اهتمام  الدكتور مكي وأفاض في الحديث عنها في الكتاب..أقصاها بعض النقاد من جنس القص القصير !!.. بل رآها أحد النقاد حين قرأها مؤخرا  مجرد "قماشة رواية  "!!!

أهذا حالي وأنا أقرأ كتاب " شقاوة سكر "..يستعصي عليّ تبنيده في خانة السرد الأدبي ؟
فيما يتعلق بي كمتلق ..وبعيدا..عن  تنظيرات النقاد ثمة شعور ينبع من منطقة غامضة بالداخل،كلما هممت بقراءة كتاب ..  إما الإعجاب به ..فلا أتركه إلا بعد التهامه سطرا سطرا ، أو.... طرحه جانبا..!!
و" شقاوة سكر " حتى لو استعنت بعبارة الشاروني أنها قصص قصيرة مجهضة..إلا انها في النهاية حكي أدبي استلب وجداني وعقلي..

وكما يبدو من خلال التدفق العفوي لسرده..لايجلس " رضا سكر "  في حضرة أوراقه وأقلامه ..ثم يبسمل..ثم يتمتم : الآن سأبدأ في كتابة رواية..الآن سأبدأ في كتابة قصة قصيرة..قصة ومضة..!!

المتلقي العام..وهو منهمك في قراءة حكايات الشقي د. رضا سكر ..قد يعبق وجدانه  بشذى هذا وذاك..لكنه لن يكون كناقد أكاديمي يزنزن  كل سلندراته  لمعرفة جنس مايقرأ..
فانشغال المتلقي بالبحث عن  مدى توافر القواعد الصارمة في العمل وتجنيسه .. قد يمترس كافة الطرق أمام انتشائه بما يقرأ..
كما أنه ببساطة..ومع صرخات رولان بارت " موت المؤلف" ورونان ماكدونال " موت الناقد " ..وموت القاريء ، وصرعة النقد الثقافي..  لايوجد معايير متفق عليها..سوى متعة التلقي ..!!
" لأهمية تلك القضية بسطت لها ملفا في العدد المقبل من مجلة القصة التي أشرف برئاسة تحريرها ، يضم العديد من الدراسات ".

وأحمد الله أنني لست من هؤلاء النقاد المولعين بالتجنيس الأدبي الصارم..وإلا حال هذا بيني وبين نشوة السباحة في حكايات د.رضا سكر..
         

 سيرة ذاتية 


وماحكايات " سكر "  إلا سيرة ذاتية  تبدأ وهو جنينا..كما هو الحال في حكايته " كده رضا"  التي يسردها بعفوية مدهشة ..
حيث أنجبت أمه طفلة..وكنًت لها حبا جما..لكن الابنة توفيت..فحزنت الأم حزنا هائلا..ولم تفارق حزنها إلا بأمل أن تنجب فتاة أخرى..لكنها أنجبت ذكرين..ليعاودها الحزن..فتحمل مجددا..لتبشرها " الداية" وجاراتها أن القادم إن شاء الله بنت..استندن في توقعاتهن تلك إلى المثل القائل " من شكل منخورك اعرف مولودك"!!!
 وعاشت الأم شهور الحمل تقتات على هذه " الحقيقة " أن هذا الذي يتكور في بطنها بنت..المنخور يبشر بذلك..!!
          شقاوة جنين!!

هل بدأ رضا سكر  شقاوته  وهو مازال يتكور في بطن أمه فأوحى للداية والجارات أنه أنثى !!

وهذا حال العديد من الحكايات .. مكنوزة بكل ماهو طريف وجاذب وممتع..فإن كان لها مثيل في تراثنا العربي فقد نجد متشابهات لبعض تلك الحكايات في حواديت جحا ..أو أشعب..
مع الفارق في جماليات اللغة ورقي الحكي، وبشاعة المفارقات التي تتجاوز مقدرة العقل على الاستيعاب كما هو الحال في رحلته مع طقوس إحدى الطوائف الدينية في حكايته " شيعستان" والتي صدمته بغرائبيتها المذهلة، حين كان يعمل في دولة عربية .!!!   

 طليق القلم

في الحكي الشفهي ثمة تعبير شائع يطلق على المتفوه أنه طليق اللسان..
 وفي حكايات رضا سكر يمكن القول أنه طليق القلم.. قلم يتسم بحس فكاهي ساخر  يتدفق على الورق بمتعة الحكي  الشفهي..

لذا كثيرا ماتحولت علاقتي بكتاب  " شقاوة سكر " من القراءة إلى الاستماع..كأنني أجلس مشدوها أمام د. سكر وهو يحكي ..بل أتجاوز الاستماع إلى المشاهدة..وربما المشاركة في صنع الحديث ..فحكاياته عن شقاوته وهو صغير هي أيضا حكاياتي..حكايات غالبية المصريين..خاصة  في طفولتهم..فما ورد في حكايته "كدا رضا" ..تحديدا  مشهد حشد أطفال القرية في بيت  العائلة..ليأتي عم عبدالخالق  حلاق القرية الذي يمارس الطب، وفي كل فروعه !! ليفاجأ كل طفل ب"تكتيفه" ..ليفاجأ بتعرية نصفه الأسفل واقدام عم عبد الخالق على ختانه بلا بنج ولا  مسكنات..لينطلق صراخ الطفل الهيستيري ليختلط بالزغاريد والتهاني ..!!
وما أن  تماثل الطفل للشفاء حتى أسرع بالتوجه إلى " عيادة " عبد الخالق الحلاق ورجمه بالطوب والزلط، ليكسر زجاج الباب والشباك ..فتهدا سريرته بعد أن أخذ بثأره..وليس مهما أن يبادر والده بدفع تكاليف تلك الخسائر لعم عبد الخالق !!

تلك الحكاية تفجر في داخلي كلما قرأتها..مشاهد مماثلة لذات التجربة.. كنت أنا بطلها أو ضحيتها..بكل ماتنطوي عليه من خداع وأوجاع.. وحتى بعيدا عن نشوة الانستولوجيا..فالأمر يبدو لي وأنا أقرأها كأنني أشاهد فيلما كوميديا  لتوفيق الدقن في دور عم عبد الخالق الطبيب الجراح حلاق القرية..!!

         جاذبية العنوان

والسخرية التي تنضح من الحس الفكاهي تباغتنا مع الخطو الأول لكل حكاية.. مع  عنوانها ..
مثلا..
- أبوك اتجوز عمتك..!!
- ربنا يزيدك طين ياعمي..!!
- أنا رد سجون ! 
- الدكتور محروس بتاع الوزير !
- إرهابي في كي جي ٢ !
- مبروك ..جالك جاهل !
- فرقة رضا للكرة الشراب!!
 - حرامي الحمير !
- عيد ميلاد شحط محط!
وهذا حال غالبية  عناوين حكايات رضا سكر..
       توظيف الفلكلور
وبحسه الأدبي يدرك المؤلف أن حكاياته لاتكتمل متعتها   إلا بتكنيزها بمقاطع من  تراثنا الشعبي..وقدأجاد في توظيف مقاطع من الفلكلور في بعض الحكايات  فنيا،  بحيث بدت كجينة من جينوم الحكاية وليست دخيلة عليها ..
كما هو الحال مع حكاية " فرح زينب "
ومع  تلك الأغنية التي كانت تشدو بها الفتيات وهن ينقلن أثاث العروس على عربات الكارو إلى منزل العريس ..
افرحي يادي الأوضة- جياكي عروس موضة ..افرحي يادي المندرة- جياكي عروسة سكرة ..افرحي يادي القاعة - جياكي عروسة الساعة..

وعندما يقتربن من منزل العريس يغنين ( رشوا الشوارع ميه- عروس الغالي جية ..ايوه ياحارة ضلمة - احنا اللي نورنا..ايوه ياحارة هس هس- احنا اللي عملنا لكم حس )

 لتطل امرأة من نافذة منزلها في حارة العريس ، وترد على أغاني أهل العروس..
"أيه شوية الكراكيب اللي انتوا جايبينهم دول. دا عزال عروسة محترمة برضه..دا عريسنا دافع ٣٥ جنيه مهر عدا ونقدا من حر ماله"..
ليتم الصلح بين أنصار العريس وأنصار العروس لتتوحد حناجرهم في ترديد هذه العبارة : الغالي بيجيب الغالي!!
....
وهل لدي الآن ماأقوله للمبدع رضا سكر؟
نعم..لكن ليس ماقاله لي أستاذي يوسف الشاروني أن ما أكتبه قصص قصيرة مجهضة ..
بل سأقول للمبدع رضا سكر.. حكايات كتابك أمتعتني ..وكفى !!!

ترشيحاتنا