الدكتور حسين عبدالفتاح يكتب التعليم بين العالمية والهوية الوطنية

.
.

لعل أي خبير أو متخصص أو حتى مُعلم حديث التخرج يتذكر جيدًا أولى الدروس التي تعلمها في سنوات دراسته الأولى بكلية إعداد المعلمين على اختلاف مسمياتها بدولنا العربية، وهو مصادر اشتقاق أهداف وخصائص وهوية أي نظام تعليمي! وحقيقة وقبل الإبحار في هذه المقالة ينبغي التأكيد أنها لا تعارض أو تمانع الاطلاع على الخبرات والتجارب الدولية في التعليم من شرق العالم لغربه ومن شماله لجنوبه للاستفادة بها، كما يتمتع كاتب هذه المقالة بقدر من الحيادية والعقل المنفتح نحو النظم العالمية بحكم تخرجه في جامعة من جامعات جمهورية ألمانيا الاتحادية وفي تخصص من تخصصات العصر حيث التحول الرقمي والتعليم الإلكتروني وغيرها من تلك المستحدثات.
 
إلا أن سؤالًا يراود كاتب هذه المقالة دائمًا هو: ما ملامح الهوية التي يجب توافرها بأي نظام تعليمي؟
 
لنتأمل في أي بلد كانت وعندما يقرر نظام تعليمي على سبيل المثال الفصل بين الذكور والإناث في المدارس بأي مرحلة تعليمية ثم تأتي الدروس الخصوصية وتهمل ذلك فهذا بلا شك يغير من ملامح وهوية النظام التعليمي، وعندما يصبح الاكتفاء بالدروس الخصوصية في الشهادات النهائية هو الأصل فهذا يفرغ النظام التعليمي من مضمونه ولا يحفظ له شكله وبناءه التنظيمي الذي يفرق بين نظامي الانتظام والانتساب\المنازل، وعندما يسعى القائم على تطوير التعليم إلى الاعتماد على الأنشطة المدرسية في تقييم الطالب أكثر من مجرد الاعتماد على الاختبارات النهائية والمرحلية فهذا طموح محمود وتطوير مرغوب لكنه يبتعد لحد ما عن الواقع على الأرض وثقافة الأسرة المهتمة بإعداد أبنائها للامتحانات.
الأخطر من ذلك وهو الموضوع المحير في هذه المقالة والذي قد يفرغ النظام التعليمي من هويته وملامحه القومية هو تعدد مصادر اشتقاق الأهداف التعليمية والثقافات المستمدة منها تلك الأهداف، فهذا تعليم بريطاني وهذا فرنسي وهذا ألماني وهذا أمريكي وآخر ياباني، وبالطبع هذا ليس رفض للاستفادة من تجارب تلك الدول وأنظمتها التعليمية، لكن الواقع الحالي يوضح بما لا يدع مجالا للشك أن لدينا حاجه لمشروع وطني يضع ملامح لمدرسة تحمل وتحافظ على الهوية الثقافية واللغوية وتعتز بذلك بكل قوة كما شاهدنا ورأينا كيف يعتز الألمان بلغتهم وثقافتهم داخل مؤسساتهم التعليمية، فلم نجد أي ملمح من ملامح انتشار جامعات ومدارس أجنبية في ألمانيا وهذا البلد الأوروبي مجرد مثال على ذلك! بل أن اعتزاز وطموح كاتب المقالة لتجربة وطنية يطرح التمني والسؤال: متى سنسمع في اليابان أو أمريكا أو ألمانيا بعناوين أخبارهم افتتاح مدرسة أو جامعة تتبع النظام التعليمي المصري أو الفلسفة المصرية في التعليم، تمامًا كما نتبنى نحن أنشطة "التوكاتسو" اليابانية؟ الأمر ليس كثير علينا، فلدينا من الخبراء في مجال التعليم ما يكفي لتأسيس تجربة مصرية خالصة وتمتلئ أرفف المكتبات برسائل الماجستير والدكتوراة والأبحاث في التعليم، لكنها تحتاج لإطار جامع ومظلة تتبنى بناء هذا النسيج الواحد لتلك التجربة الفريدة التي قد ينظر إليها كونها حلم، لكننا حقيقة نملك كل مقومات تحقيقه.
   وعودة لبداية المقالة والسؤال مجددًا: كيف يُدرس خبراء التربية في الجامعات أن فلسفة المجتمع وهويته هي أولى مصادر تعريف التربية واشتقاق أهداف التعليم في المجتمع ولا يتم مناقشة تأثيرات تعدد وتنوع الثقافات وجهات الإشراف على تعليمنا من مرحلة رياض الأطفال إلى الجامعة؟! فهذه مدرسة أمريكية وأخرى فرنسية وثالثة ألمانية .. وغيرها من التجارب التي أرحب بالاستفادة منها للوصول لنموذج وطني فريد وليس نقل إحدى تلك التجارب الأجنبية بكاملها.
   ربما يطرح الآن سؤالا إعتراضيًا مفاده: وما الخطورة من تنوع المدارس والجامعات وجهات الإشراف ومصادر اشتقاق أهدافها وثقافتها؟! والإجابة ببساطة هي عدم تجانس النسيج المجتمعي فهذا يفتتح صباحه قائلا "بون چور" وجاره يقول "جود مورننج" وصديقهم يقول لك "جوتن مورجن" ليست هذه المشكلة لكن المشكلة أن الثلاثة سينظرون إلى من يقول "صباح الخير" أنه متعلم وخريج درجة ثانية والذي يطلق عليه وينتشر التعبير عنه أنه "تعليم حكومي" على الرغم أن التعليم الحكومي في العديد من الدول المتقدمة وبعض الدول العربية هو أفضل وجهات التعليم، الأخطر أنه عند التوظيف سيتم تفضيل الثلاثة ولا ينظر للتعليم الحكومي وربما لن يأخذ فرصته، مع العلم أنه وعلى الرغم من أهمية إجادة لغة أجنبية أو أكثر، إلا أن اللغة هي وعاء الفكر والعلم، لكنها بكل تأكيد ليست العلم والفكر ذاته! بمعنى أن الوعاء قد يكون خاويًا وربما يحمل شيء ما يتعارض وفلسفة وثقافة وهوية المجتمع.
   هنا، وإذا قمنا بإحصاء لأغلب الشخصيات المصرية والعربية الأكثر تأثيرًا عالميًا في شتى مجالات العلوم والآداب، سنجد أن بدايتها تعليميًا كانت في ما يطلق عليه التعليم الحكومي، والذي يجمع كل من أكمل تعليمه في الخارج بعد ذلك أن الفضل في تكوينه كان للمدرسة والجامعة الحكومية، ولعل نزعة تفضيل الماضي قد تؤدي بالقارئ لخلاصة أن هذا كان مستوى التعليم آن ذاك، وأن تعليمنا كان الأفضل وقتها، ولعل هذا يبرر محاولات التطوير الحالية لنظم التعليم في البلدان العربية وفي مصر على وجه الخصوص، ما يبعث التفاؤل والطموح أن نرى يومًا ما نموذج وطني أصيل للتعليم يضمن جودة مخرجاته ومناسبتها مع فلسفتنا وثقافتنا وهويتنا، وهذه هي الانطلاقة الصحيحة نحو سوق العمل الدولي وليس العكس.
  إن المتأمل لجميع التجارب الناجحة أمامنا بشتى المجالات من كرة القدم للطب للفيزياء للأدب، فردية كانت أم جماعية، سيلاحظ أن بدايتها محلية وطنية، من الداخل إلى الخارج، وليست استنساخ تجارب عالمية من الخارج إلى الداخل.
 
كاتب المقال الدكتور حسين عبدالفتاح أستاذ تكنولوجيا المعلومات جامعة قناة السويس

 

ترشيحاتنا