أسباب الإصابة بالملل.. وكيف تتخلص منه بخطوات بسيطة؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

ياسين صبرى - إيمان طعيمه

«الأيام تتكرر.. الروتين لا ينتهى.. مفيش جديد».. عبارات يرددها كثير من الأشخاص الذين يمرون بحالة من الملل ويبحثون عن حلول تساعدهم على الخروج من هذه الأزمة النفسية التى تتفاقم يوما بعد يوم وتصل بهم إلى عواقب وخيمة إذا لم يتم الشفاء منها سريعا.. فى السطور التالية يكشف المتخصصون فى مجال علم النفس والصحة النفسية أسباب الإصابة بالملل وكيفية التخلص منه بخطوات بسيطة..
 

استشارى الصحة النفسية، الدكتور علاء رجب، يقول إن مفهوم الملل كما يُعرِّفه علم النفس هو حالة عاطفية يتعرّض لها الإنسان عندما يكون لديه فائض وفراغ من الوقت ولا يشغله أى شيء يجعله يشعر بفقد الحماس والشغف والفتور تجاه أمور كثيرة، ليس ذلك فحسب وإنما تظهر عليه بعض الأعراض الأخرى كالانطواء والعزلة واللامبالاة، كما يمكن اعتباره أيضا حالة عارضة تصيب بعض الأشخاص أحيانا بسبب كثرة التعرض للضغوط النفسية أو بسبب عدم القدرة على تحمل الأعباء اليومية التى تقع على عاتقهم.


ويوضح أن الملل يمكن أن يتحوَّل لحالة من الاكتئاب الشديد إذا استمر لفترات طويلة، علما بأن الفراغ والفشل يمثلان المؤشر الرئيس للإصابة بالملل، فكلما فشل الإنسان فى تحقيق أهدافه تملّك منه الملل بدرجة قاسية قد تصل إلى التعاطى والإدمان.

 

أنواع الملل

ويشير إلى أن هناك عدة أنواع من الملل، منها ملل اللامبالاة، وهو عدم الرغبة فى القيام بأى شيء أو عدم القدرة على تغيير تفاصيل الحياة اليومية، وملل البحث عن تحقيق شيء معين بعدما يفقد الشخص الحس النفسى على إنجاز المهام والإبداع فيها، وكذلك ملل فقدان الشعور بالاهتمام، وملل الروتين اليومى المتكرر والخوف من التغيير، والملل العاطفى الذى يجعل الشخص يفقد الشعور بالإحساس والمشاعر وعدم الرغبة فى التواصل مع الآخرين والتهرب من التجمعات العائلية أو لقاءات الأصدقاء ويشمل هذا النوع من الملل أيضا ما يُعرف بالخرس الزوجى والملل من روتين الحياة الزوجية، وأخيرا كثرة لوم النفس والشعور بالحزن المتكرر.

ويؤكد أن الملل لا يصيب الكبار فقط، بل يكون أكثر خطورة عندما يصيب الأطفال، كونهم لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم وتحديد رغباتهم الحقيقية، لذا يجب على الأهل دوما ملاحظة أطفالهم إذا ظهرت عليهم أية أعراض للملل التى تتشابه كثيرا مع أعراض الاكتئاب وتتسبب فى لجوئهم إلى العزلة وتكرار الشكوى، وعليهم محاولة التنفيس عنهم والمشاركة فى اللعب وتغيير روتينهم اليومى.

من جانبها، ترى الدكتورة هند على، خبيرة الإرشاد النفسى والأسرى، أن الإنجاز فى العمل إحساس رائع يحب الجميع أن يشعر به، لكن إذا زاد عن حده تكون خطورته أكثر من نفعه، كونه يعزل الشخص عن التعايش السلمى الذى تحتاجه النفس البشرية ولا يمنحه القدرة على الاستمتاع مع أفراد أسرته فى أمورهم الحياتية نتيجة التفكير الدائم فيما يشغله من مهام عليه إنجازها، هنا تبدأ الأفكار السلبية تدور بالرأس مثل «أنا أصبحت كالآلة وأدور فى ساقية لا تنتهى»، وللتخلص من هذه المشاعر والإحساس بطعم التغيير يجب معرفة بعض الخطوات التى تساعد على ذلك، ويتمثل أولها فى ضرورة معرفة أن العمل مجرد وسيلة فقط لتحقيق أهدافك وليس غاية، ولابد من تغيير الأفكار السلبية التى تدور داخلك ورؤية الإيجايبات فقط، والحرص على إعطاء كل ذى حق حقه، فكما تعمل وتحقق إنجازت عليك أن تكافئ نفسك وتمنحها جانبا من السعادة.

روشتة التعافى

وتضيف: يمكن تحقيق هذه السعادة بعدة طرق كالتنزه أو المشى ولو لوقت بسيط يوميا أو ممارسة الرياضة أو سماع الموسيقى أو مشاهدة فيلم مفضل مع الاقتراب من الأشخاص الداعمين الإيجابيين بما يساعدك على تجديد روحك، كما يمكن تخصيص وقت فى نهاية كل أسبوع لتحقيق السعادة لنفسك ولأسرتك حتى إن كان ذلك من خلال أمر بسيط وغير مكلف، ويمكن إعداد قائمة صغيرة بذلك للتنوع بينها أسبوعيا، كما يمكن الجلوس فى أماكن مفتوحة لتفريغ الطاقة السلبية أو تغيير الألوان المحيطة بك سواء فى المنزل أو العمل وجعلها أكثر بهجة مع وضع بعض الزهور الطبيعية المريحة للنظر والأعصاب.

وتشدِّد خبيرة الإرشاد النفسى على ضرورة تجنب الإفراط فى استخدام وسائل التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعى كونها تضع الشخص فى عالم افتراضى يعزله عن المحيطين وتمنعه من القدرة على التواصل مع البشر، وعلى العكس لابد من تغيير النظام اليومى المتبع وتحديد وقت للتزاور والاهتمام بتقوية صلة الرحم، وكذا الحرص على المشاركة والاهتمام بالحياة الزوجية ومحاولة كل طرف التخفيف عن أعباء الآخر وعدم البخل فى التعبير عن المشاعر واسترجاع الذكريات الجميلة بينهم التى تصنع روح من السعادة دوما مع تخصيص وقت مشترك حتى وإن كان بسيطا للتحدث سويا ومناقشة الأفكار بدون نقد أو لوم، كما يمكن مشاركة الهوايات بين أفراد الأسرة قدر الإمكان، وفى النهاية تأكد من أن حياتك تستحق أن تحياها بروح جديدة دائما وبجميع الألوان التى خلقها الله عز وجل وليس اللون الأبيض والأسود فقط مع أخذ قرار عدم الاستسلام لشبح الملل والفراغ والتغلب عليه بشتى الطرق.
من جانبه، يوضح أستاذ علم النفس عميد كلية الآداب بجامعة الزقازيق، الدكتور عماد مخيمر، أن الملل ينتج عن ممارسة الفرد نشاطا متكررا لفترة طويلة مع عدم وجود أحداث هامة ومتجددة فى حياته أو أنها موجودة ولكنه لا يوليها اهتماما كافيا.

ويتابع: حالة الملل التى تصيب الإنسان لا ترتبط بفئة محددة، إذ يمكن أن تصيب كل الأعمار وكل حالة لها مسبباتها، فالأطفال الذين لا ينخرطون فى أنشطة طبيعية فى محيطهم الاجتماعى قد يصابون بالملل كونهم غير متفاعلين مع أقرانهم بالصورة الكافية، كذلك الحال فى مرحلة المراهقة، فقد ينخرط المراهق فى ممارسة الألعاب الإلكترونية والتعبير على منصات التواصل الاجتماعى من خلال الإنترنت دون وجود تواصل حقيقى مع من يقاربونه سنا، وهذا قد ينتج عنه بالنهاية شعور بالوحدة والملل، بل إن الملل يتسرّب أيضا إلى العلاقات بين البالغين مثل الزوجين نتيجة استمرار إيقاع الحياة بينهما بشكل رتيب ودون وجود أى تغيير.

افتقاد الروتين 

على الجانب الآخر نجد حالات عكسية يكون افتقاد الروتين اليومى المعتاد فيها هو سبب الشعور بالملل، وأبرز مثال على ذلك وصول الشخص إلى سن المعاش وحينها يجد نفسه بعيدا عن الأنشطة التى تشغل وقته والأشخاص الذين اعتاد رؤيتهم فتتسرب إلى نفسه حالة من الخمول والضيق.


ويتابع: الإنسان المقبل على الحياة يشبه النهر المتجدد، فحياته مليئة بالأحداث والحركة والأنشطة والتفاعل مع الآخرين. أما السلبى فهو يشبه المياه الراكدة التى لا حركة ولا حياة بها، لذلك فإن علاج الملل يكون بإيجاد معنى وهدف للحياة وممارسة أى تجربة جديدة يمكن أن تخرج الشخص عن النمط المتكرر الذى يعيشه حتى ولو بشكل مبسط  عبر ممارسة الرياضة أو تجربة طعام جديد أو الذهاب إلى مكان لم يره من قبل.

فقدان الشغف

فيما توضح الدكتورة هايدى حسن، أستاذة علم الاجتماع، المدير التنفيذى لوحدة مكافحة العنف ضد المرأة بجامعة كفر الشيخ، أن الأبعاد الاجتماعية المرتبطة بالملل غالبا ما تكون نابعة من فقدان الشغف أى أن الشخص ليس لديه حلم أو هدف معين يسعى إليه، بالتالى يكون لديه أوقات فراغ لا يعلم كيف يستغلها، وهنا يبرز غياب الوظيفة الاجتماعية للأسرة وهى دعم الأفراد الموجودين بها وتوجيههم لتعلم المهارات سواء الدراسية أو الاجتماعية، وعندما تفقد الأسرة وظيفتها الرئيسية قد يبدأ الفرد فى البحث عن بديل لملء هذه الفجوة فى مكان آخر كالنادى أو المراكز التعليمية التى تقدم خدمات لتنمية المهارات العقلية والثقافية والبدنية.


كما تشير إلى وجود آثار اقتصادية مرتفعة التكلفة تترتب على الشعور بالملل، فالشخص غير الموجه سواء تعليميا أو مهاريا لا يستغل وقته بصورة جيدة ولا يوجد لنشاطاته أى عائد مادى أو معرفى أو بدنى يمكن الاستفادة منه.


وتضيف: الإحساس بالملل ليس له مقياس طبقى بمعنى أن هذا الشعور يتساوى فيه الجميع سواء الشخص الفقير أو الميسور ماديا، لكن هناك «فقر الحيلة» لدى الإنسان وهو عدم إمكانية توظيف المهارات أو الوقت بالشكل الصحيح حتى يخرج أفضل ما بداخله من طاقات كامنة .وامتلاك المال ليس مؤشرا صحيحا على السعادة أو الراحة النفسية، فبعض الدول المتقدمة اقتصاديا ومعيشيا، نجد بها معدلات مرتفعة للغاية من الإنتحار.

 

اقرأ أيضا:  كيف يمكن تفادي حوادث «القاتل الصامت»؟ 


 

احمد جلال

جمال الشناوي

ترشيحاتنا