انتهاكات حقوق الإنسان تفضح البرلمان الأوروبي

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

دينا توفيق

قرار لا يُمكن وصفه إلا بـ«الفاسد» ذلك الذى أصدره البرلمان الأوروبي عن حالة حقوق الإنسان بمصر، والذى بُنى على حزمة من المُغالطات والإدعاءات الباطلة التى لا تمُت للواقع بصلة، ولا تعكس سوى نظرة مُتحيزة غير موضوعية إزاء حقيقة الأوضاع في مصر..

بينما فى الحقيقة يعيش ملايين الأوروبيين وسط مجتمع ظاهره لا يعكس باطنه.. ينادى بما لا يفعل؛ فالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان مجرد شعارات تتردد مع استمرار مسلسل العنصرية في تلك البلدان بالاعتداء والتخويف والترهيب والاستبدادية التى أخذت طريقها إلى أوروبا بصورة فادحة. 

مجلس النواب المصري، أعلن فى بيان له رفضه واستياءه الكامل من هذا القرار، الذى جاء مُخيبًا للآمال، ومدللاً على إصرار البرلمان الأوروبي- غير المُبرر- في استمرار نهجه الاستعلائي والوصائي تجاه مصر، إذ نصَّب نفسه- استنادًا إلى وقائع كاذبة- حكماً وقيّماً على تطورات الأحداث في الدولة المصرية؛ وهو ما يعد تدخلاً صارخاً في الشئون الداخلية لدولة تتمتع بالسيادة، بالمخالفة لمواثيق الأمم المتحدة، وهو ما لا يمكن تجاوزه أو غض الطرف عنه؛ فهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً.

 

وتابع البيان: «بالرغم من أن مجلس النواب لديه القدرة الكاملة والحقيقية؛ فى الرد على كل ما ورد بالقرار المشار إليه، والذى لا يتسم جميعه- أبدًا- بالمصداقية أو الحيادية، وانتهاجه سياسة الوصم والتشهير غير البناءة والمرفوضة والتي ثبت فشلها عبر التاريخ، إضافة إلى صدوره دون استجلاء رأى البرلمان المصري - وهو حق كامل له - فيما ورد به من ادعاءات لا أساس لها من الصحة، والتي لا تستوجب الالتفات لها؛ فهي محض أحاديث مُرسَلة تستند إلى معلومات غير دقيقة، تعبّر فقط عن توجُّه سياسي غير محمود، إلا أن ضمير مجلس النواب المصري يستوجب الإشارة إلى بعض ما ورد بالقرار؛ لأن فيه إجلاءً للحقيقة وبيانًا للأمر. فبالأخص قد ورد بالقرار أن حالة الطوارئ مطبقة في مصر منذ عام 2017 وحتى الآن؛ والحقيقة أن حالة الطوارئ تم إيقاف العمل بها فى أكتوبر 2021، ولم يتم تجديدها منذ ذلك الحين.

 

وذكر بيان المجلس، تناول القرار تنفيذ مصر عقوبة الإعدام بحق الأطفال؛ والحقيقة أن هذا أمر يجافى الواقع ولا يمكن تصديقه، فالتشريع المصري بموجب قانون الطفل يحظر حظرًا مطلقًا توقيع عقوبات «الإعدام، والسجن المؤبد، والسجن المشدد» على الأطفال.

 

مجلس النواب: قرار البرلمان الأوروبي لا يتسم أبدًا بالمصداقية أو الحيادية

وقال البيان إن مجلس النواب يُذكر البرلمان الأوروبى بأنه كان بالأجدر به بدلاً من الرصد المُتزايد، وفق معلومات غير موثقة، لحالة حقوق الإنسان في مصر، أن يوجه أنظاره صوب مواجهة التحديات التى تجابهها دول الاتحاد الأوروبي للارتقاء بحقوق الإنسان، في ظل ما تشهده تلك الدول من انتهاكات صارخة لتلك الحقوق، وفى مقدمتها المخاطر التي يواجهها المهاجرون واللاجئون والأقليات العرقية، العنصرية الممنهجة ضد بعض الدول الأوروبية، تنامى العديد من الظواهر المقلقة والتي تهدد أمن وسلم المجتمع كالإسلاموفوبيا، وخطاب الحض على الكراهية، والعنف ضد المرأة والجرائم التى ترتكب ضد القصر، وعنف الشوارع.

جرائم ضد اللاجئين

والحقيقة أنه في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، تغلغلت الروايات المعادية للأجانب حول الهجرة، من خلال إثارة الرأى العام، فى حين زادت تشدد السياسة.

واستمر تحصين الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي على قدم وساق، في حين أعلنت العديد من الدول الأوروبية علانية عن عدد عمليات الصد غير القانونية على حدودها، ووفقًا لمنظمة العفو الدولية، فإن «الصد» هو مصطلح مُسكن لما كان فى كثير من الأحيان ممارسات عنيفة مروعة.

 

حيث دعت 12 دولة في الاتحاد الأوروبي المسئول التنفيذي للاتحاد إلى تخفيف قواعد حماية اللاجئين. فيما حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين من تفاقم العنف وانتهاكات حقوق الإنسان على الحدود الأوروبية، حيث أعربت عن قلقها العميق خلال مطلع العام الجاري إزاء العدد المتزايد من حوادث العنف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة ضد اللاجئين والمهاجرين على مختلف الحدود الأوروبية، والتي أدى العديد منها إلى خسائر مأساوية في الأرواح.

 

وطالبت المفوضية من أوروبا ضرورة إحراز تقدم في مجال منع حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان على الحدود، وكذلك إنشاء آليات وطنية مستقلة وحقيقية للرصد من أجل ضمان الإبلاغ والتحقيق المستقل في الحوادث.

 

وأضافت: "لطالما كانت الدول الأوروبية من الجهات الداعمة لعمل المفوضية وتقدم مساهمات مهمة تساعد في حماية اللاجئين ودعم البلدان المضيفة".

 

ومع ذلك، فإن الدعم المالي ودعم القدرات في الخارج لا يمكن أن يحل محل مسئوليات الدول والتزاماتها باستقبال وحماية اللاجئين على أراضيها.

عنصرية ضد الأقليات
كما نمت العنصرية ضد الأقليات من السود والمسلمين والغجر، حيث شهدت العديد من البلدان رد فعل عنيفًا ضد احتجاجات حركة «حياة السود مهمة «Black Lives Matter» عام 2020، وعزز الخوف من الهجرة التمييز ضد المسلمين، كما واجه البعض مزيدًا من الإقصاء الاجتماعي في ظل جائحة كوفيد-19، حيث واجه المهاجرون غير المسجلين والأشخاص من المجموعات التي واجهت تمييزًا تاريخيًا تحديات في الحصول على اللقاحات. استمرت الوفيات في التأثير بشكل غير متناسب على كبار السن. كان من الصعب عدم رؤية العنصرية في اللقاحات والسياسات المناخية للدول الأوروبية تجاه بقية العالم.

ونشرت الحكومات الأوروبية وسائل تقنية متطورة بشكل متزايد لاستخدامها ضد المعارضين، حيث اعترفت الحكومة الألمانية بأنها اشترت برامج تجسس Pegasus من شركة المراقبة NSO Group ضد المدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم، كما تم تسريب آلاف الملفات التي تظهر مراقبة أجهزة الأمن فى جورجيا للصحفيين والنشطاء المدنيين والسياسيين ورجال الدين والدبلوماسيين.

أصبحت العنصرية آفة تاريخية مستوطنة؛ رغم محاولات سن الاتحاد الأوروبي تشريعات لمكافحة التمييز والجرائم العنصرية من خلال توجيه المساواة العرقية والتصدي لكافة أشكال العنصرية والتعصب وكراهية الأجانب على مستوى دول القارة، ووفقًا للتقرير الصادر عن وكالة «الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية» عام 2000. ومع محاولة إحياء المبدأ المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في قلب إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، بأن يولد الجميع أحرارًا ومتساوين فى الكرامة والحقوق، والذى يعد حجر الأساس لنظام حقوق الإنسان الدولي؛ إلا أن انتهاك حقوق الإنسان يجتاح القارة العجوز، والذى تمثل في الاعتداءات بالأسلحة فى ألمانيا ولندن مع تنامى ظاهرة الكراهية والعنصرية ضد الأجانب بشكل عام والأقليات الإسلامية بوجه خاص.

كما قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن تدخل المملكة المتحدة واعتراضها الاتصالات، يفتقر إلى الضمانات ضد الانتهاكات.

تدمير استقلال القضاء
وفى الوقت نفسه، فى سويسرا، وافق استفتاء على قانون جديد لمكافحة الإرهاب يمنح الشرطة سلطات بعيدة المدى. فيما واصلت بولندا تحديها لمحاولات المنظمات الأوروبية لوقف تدمير استقلال القضاء فى البلاد، لتواجه الاتحاد الأوروبى بأكبر أزمة لسيادة القانون حتى الآن. بعد أن وجدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومحكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبى (CJEU) أن التغييرات القضائية فى بولندا أخفقت فى تلبية متطلبات المحاكمة العادلة.

ورداً على ذلك، قضت المحكمة الدستورية البولندية بأن القانون البولندي له الأسبقية على قانون الاتحاد الأوروبي وأن الحق في محاكمة عادلة بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان يتعارض مع الدستور، ما دفع الأمين العام لمجلس أوروبا لإجراء تحقيقات.

وظل المدافعون عن حقوق المهاجرين يواجهون التجريم، بما في ذلك فى قبرص وفرنسا واليونان وإيطاليا ومالطا. استمرت الدعاوى القضائية ضد أفراد ومنظمات غير حكومية فى إيطاليا واليونان.

كما شهد عام 2021 أيضًا تبرئة بعض المدافعين عن حقوق المهاجرين، على سبيل المثال فى قضية «مطار ستانستد» فى المملكة المتحدة، بعد منع فتاتين عمانيتين من الدخول إلى أراضيها فور وصولهما المطار عام 2015.

وفى المملكة المتحدة أيضًا، رفض تقرير حكومي المخاوف بشأن العنصرية المؤسسية، بينما نذر مشروع قانون جديد للشرطة بمزيد من التمييز ضد مجتمعات السود والأقليات. فيما صعدت النمسا وفرنسا من مراقبة المجتمعات الإسلامية، وداهمت المساجد. 

تمييز في سوق العمل والتعليم والرعاية الصحية والإسكان فى أوروبا

ممارسات اليمين المتطرف
ونددت الحكومات الأوروبية بالتطرف الذى أصبحت تمثله الحركات اليمينية المتشددة على الأمن والاستقرار وعلى التعايش بين العرقيات المختلفة.

وتأسف مفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان، «دنيا مياتوفيتش» لعدم التعامل مع السود وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على الرغم من كل التقدم الذى تم إحرازه في مجال المساواة وعدم التمييز، إلا أنهم مازالوا يتعرضون للعنصرية الهيكلية والمؤسسية فى العديد من الدول الأوروبية. وتضيف فى تصريحاتها مع شبكة «دويتشه فيله» الألمانية، إذا كنت من السود، فمن المرجح أن تواجه التمييز فى سوق العمل والتعليم والرعاية الصحية والإسكان، وأن يتم إيقافك وتفتيشك من قبل الشرطة.

وعلى الرغم أن معظم الدول الأوروبية لا تجمع بيانات حول التمييز العنصري، إلا أن بعض التقارير تقدم لمحة عن حجم المشكلة.

وفى فرنسا، أظهر استطلاع أجرته الهيئة المستقلة المدافع عن الحقوق والحريات، Defenseur des Droits أن الشباب من أصول عربية وأفريقية كانوا أكثر عرضة 20 مرة للتوقيف والتفتيش من أى مجموعة ذكور أخرى.

وتم تحديد مشاكل مماثلة فى بلدان أخرى، بما فى ذلك بلجيكا والدنمارك وقبرص وأيرلندا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة، وفقًا لـEquinet، الشبكة الأوروبية لهيئات المساواة.

بينما كشف تقرير صدر عام 2017 فى فنلندا عن التمييز الذى يتعرض له المنحدرون من أصل أفريقى وتعرضهم للتمييز المنتظم والمنهجي.

كما أظهر أحدث استطلاع أجرته وكالة الحقوق الأساسية فى الاتحاد الأوروبى حول هذا الموضوع أن 18% من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و 24 عامًا لا يعملون بأجر ولا يحصلون على التعليم أو التدريب. 

وزيرتان إيطالية وفرنسية تعرضتا لمضايقات واعتداءات عنصرية عديدة

العنف الجسدي

لم يقتصر الأمر على العنصرية والاضطهاد فى العمل وأمور الحياة اليومية، بل امتد إلى العنف الجسدي واللفظي مشكلة أخرى يواجهها السود، حيث يتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان والمشرعون المنحدرون من أصل أفريقي للهجوم وتلقوا تهديدات بالقتل.

 

وتعرضت وزيرة التكامل الإيطالية السابقة، «سيسيل كينجي» لمضايقات واستفزازات عنصرية كثيرة، كونها أول سيدة سوداء تتولى وزارة التكامل الإيطالية عام 2013، فقد استنكرت الوزيرة المولودة فى جمهورية الكونغو الديمقراطية قيام أحد متابعي خطاب لها برشقها بالموز، بينما كانت فى تجمع احتفالي.

 

ومثلها تعرضت وزيرة العدل الفرنسية السابقة «كريستيان توبيرا»، مرارًا وتكرارًا للاعتداءات العنصرية.

وترى مفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان مياتوفيتش، أن هناك استمرارية للظلم الذى عانى منه السود فى أوروبا لأجيال، والأسوأ من الاستمرارية هناك حالة إنكار واسعة لهذه المشكلة؛ بسبب الوعود الواهية التى تخون مبدأ سياسيًا وفلسفيًا وقضائيًا، الذى وضع المساواة في قلب الديمقراطيات الأوروبية. ولدى كل من محكمة العدل الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وكذلك اللجنة الأوروبية للحقوق الاجتماعية وهيئات معاهدات الأمم المتحدة، بسوابق قضائية بشأن تطبيق هذا المبدأ.

ومع ذلك، يبدو أن دول القارة العجوز بطيئة في كبح الممارسات التمييزية التي تمارس على أصحاب البشرة السمراء كمواطنين من الدرجة الثانية داخلها. لذا، يتعين عليهم أن يضعوا حقوق الإنسان ومكافحة العنصرية على رأس أولوياتهم.

 

اقرأ أيضا: مقارنة بالطرق التقليدية ..«الزراعة بالأنسجة» تضاعف الإنتاجية 


 

احمد جلال

جمال الشناوي

ترشيحاتنا