«الإمام الطيب» وحُلم المدينة الفاضلة

حمادة عبد الوهاب
حمادة عبد الوهاب

المدينة الفاضلة حلم راود الفلاسفة والحكماء منذ القدم، بدءً من أفلاطون مرورًا بالفارابي ووصولًا إلى الإمام الطيب شيخ الأزهر رئيس حكماء المسلمين، و شركاء السلام من حكماء العالم، الكل يحلم بالمدينة الفاضلة، الجميع يبحث عن راحة النفس و سلامها، بعيدًا عن الحروب والنزاعات والجوائح، حتى أصبحت المدينة المنشودة رمزًا عند كثيرٍ من أعلام الفكر، بل و الناس كافة، فهل هي ضرب من الخيال؟ أم حقيقة سيجتاز الحكماء والعقلاء يومًا ما طريق الأمل إليها.
 
الإمام الأكبر يخطو،  الإمام الطيب يسعى، إمام السلام يسرع نحو السلام، و صوب نداءاته أينما كانت، وكان النداء هذه المرة في مدينة «أستانا» عاصمة كازاخستان أو مدينة السلام كما لقبتها اليونسكو، والتي تُسمى حالياً بـ«نور سلطان»، بلاد الفارابي العالم الفيلسوف، فأم الوفود الإسلامية المشاركة في مؤتمر زعماء الأديان بمسجد «حضرة السلطان» أحد أكبر مساجد آسيا الوسطى في مشهد مهيب، ومُنح جائزة «أستانا» الدولية تقديرًا لجهوده في مجال الحوار بين أتباع الأديان، ونشر ثقافة الأخوة والسلام العالمي.
 
و في مؤتمر زعماء الأديان ووسط هذه النٌخَب المنتقاه؛ اعتلى فضيلته منصة المؤتمر مخاطبًا العالم، باعثًا نظرات ثاقبة عبرت حواجز الأزمان، ورصدت مناقبها وآلامها، بحثًا عن المدينة الفاضلة وسط آتون الحروب و وطئات الجوائح التي أنهكت الإنسانية، واعتقدنا أن الجوائح قد تنتهي؛ لكن فكر فضيلته حول تبعاتها لم ينتهِ، ولن تتوقف رسائل السلام للإمام الطيب وحكماء المسلمين، بل سيؤخذ بها ومنها، ويُبني عليها، حتى تُصان إنسانية الإنسان، بعيداً عن العبث والحروب والتشرد.
 
ومن الأرض «الكازاخية» وجه الإمام الطيب رسائل سلام للبشرية التي أصبحت تعاني من رعب بسبب التغير الفجائي في ظواهر الطبيعة والمناخ ومن الجوائح وتبعاتها، كما وجه رسائل حذرت من انتشار الحملات المدروسة والممولة التي تدعو لهدم الأسرة، وأخرى عن فلاسفة «التنوير» الذين خسروا رهانهم حين أكدوا أن التقدم العلمي والتقني كفيل بأن يجعل السلام العالمي يسير في ركاب التحضر، ولعل أبرز الرسائل التي وجهها فضيلته: تلك التي أزالت اللبس عند البعض وأسقطت التدليس حول مقولة إدماج الأديان في دين واحد، حيث أكد أنها فكرة مدمرة للأديان وهو خيال عبثي لا يقول به عاقل ولا يقبله مؤمن أيا كان دينه.
 
أكاد أجزم، أن المدينة الفاضلة ليست حلمًا صعب المنال؛ بل حقيقة تنجلي شيئا فشىء بفضل جهود رجال خَلُصت نواياها أمثال فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، وحراك مجلس حكماء المسلمين وأمينه العام القاضي محمد عبد السلام، ولا عجب في ذلك وكل الشواهد تؤكد حدوث تغيّرات على أرض الواقع في سنوات قليلة مضت بفضل تلك الجهود.
 
من كان يظن يومًا أن الحوار المسلم المسيحي قد يعود بعد قطيعة دامت زمنًا ليس بالقليل، و من كان يظن أن أبواق التطرف والإرهاب قد تخبو و يندحر فكرها يومًا ما، ومنذ متى يجتمع العالم و قادته و زعمائه الدينيين على كلمة سواء في محفل مثل هذا، رافضين الحروب والعنف والدمار، كل ذلك كان حلمًا وصار حقيقة ملموسة، وقَصَصًا يحكى، ومواثيقًا وعهودًا تُبرم، يعترف بها النظام العالمي ويجعل لها يومًا دوليًا لإفشاء السلام.
 
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا بعد الجوائح والحروب؟، و تساؤلات أخرى طرحها الإمام، وعلى العالم أن يجيب، فقد تنتهي الجوائح والبلايا، ولكن لم تنتهِ الحروب بعد، وإن انتهت فلم  تنتهِ تبعاتها لدى الناس، فالكل أصبح في رهبة مما هو قادم، وبات الخوف من الفقر ونقص الغذاء والدواء يؤرّق مضاجع الآمنين، ووسط كل هذه المخاوف، ما أحوج البشر اليوم إلى من يرسم الأمل على وجوههم ويزرع الطمأنينة في قلوبهم، حتى تنعم الإنسانية بمكتسبات السلام.

احمد جلال

جمال الشناوي

ترشيحاتنا