محمد القصبي يكتب: الشارع رمى طوبة المثقف!!!

الكاتب الصحفى محمد القصبى
الكاتب الصحفى محمد القصبى


هل سقط المثقف المصري من حسابات الشارع؟! وهل سقط الشارع من حسابات المثقف؟
كان هذا عنوان ندوة نادي القصة التي أقيمت مساء السبت الماضي وشرفت بإدارتها؟
ورغم اعتقادي بأن الإجابة بنعم على السؤالين واقع لايمكن إنكاره..إلا أنني رأيت أن تلك هي الصيغة المثالية للعنوان..وليس عنوانا آخر يتكيء على ماأراه واقعا على شاكلة : لماذا سقط المثقف من حسابات الشارع؟ ولماذا سقط الشارع من حسابات الشارع؟
نعم ..من منظوري ..وقد يكون هذا منظور آخرين أن المثقف فقد ثقله في الشارع..لأن الشارع أصبح مهمشا في أجندة اهتمامات المثقف.. 
تلك حقيقة يداهمنا بها واقع المشهد الثقافي كل لحظة ..لكن  غيري ربما لايرى الأمر كذلك..
وبالفعل هذا ماقاله د.اشرف توفيق أستاذ النقد الفني في أكاديمية الفنون..أن الأمر ليس كما أرى..لذا اتهمني بجلد الذات!!
ولدي مبرراتي التي تطفح من واقعنا الاجتماعي والثقافي ..جميعها تؤكد أن المثقف بالفعل سقط من حسابات الشارع..ربما..بل في الغالب لأن الشارع سقط من أجندة المثقف!!
حدث جلل ..وقع منذ ١٩ عاما..
واظنه لايبرح الذاكرة الجمعية للمثقفين..
 ذلك المساء التاريخي..مساء ٢٢ أكتوبر عام ٢٠٠٣..
حين  رفض كاتبنا الكبير  صنع الله ابراهيم تسلم جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي...
حينها ظننت أن قاعة الأوبرا  تستقطب في تلك اللحظة اهتمامات الثمانين مليون مصري..وأن الناس سوف تتدفق إلى الشوارع للتعاطف مع صنع الله أو تحتج على فعلته..
ليلتها خرجت من قاعة الأوبرا وتوجهت إلى محطة المترو المجاورة..
استوقف الركاب..أسأل: كاتبنا الكبير صنع الله ابراهيم   رفض أن يتسلم جائزة ملتقى الإبداع الروائي العربي من الفنان فاروق حسني..مارأيكم ؟ 
فإذا بهم يداهمونني بنظرات تساؤلاتهم : 
-مين صنع الله ابراهيم..
-مين فاروق حسني؟
-وايه ملتقى الرواية ده؟
انزويت في  أحد مقاعد المحطة وسحبت أوراقي من حقيبة صغيرة كنت أحملها.. وبدأت أكتب:
زلزال صنع الله ابراهيم في الأوبرا لايشعر به ركاب محطة المترو المجاورة!!!!!!
كان هذا عنوان مقالي في جريدة القاهرة في العدد الذي صدر بعدها بعدة أيام.. 
ولاأدنى قدر من المبالغة فيما كتبت..!!!
تلك الندوة التي شهدت حوارات من الوزن الثقيل بين رموز للمشهد الثقافي مساء السبت الماضي في مركز طلعت حرب الثقافي بالسيدة نفيسة  -وأراها تعالج موضوعا بالغ الأهمية لايعرف بأمرها أحد من خارج القاعة..
وهذا حال ندوات وكل أنشطة المثقفين مسرحها قاعات جدرانها مانعة للصوت..
وحتى لو أقيمت في الشارع..ربما ستلاحق بأسئلة المارة: ايه اللي بيعمله المجانين دول..؟
وحتى الوسيلة الأهم..الكتاب ..مؤلفات المثقفين التي ينبغي أن تجسد رسالتهم للارتقاء بالوطن ..ادبا كانت أو فكرا أو فنا..
لاتجد من ينتظر صدورها على أبواب المطابع..
وما أكثر التقارير التي صدرت عن اليونسكو ومؤسسة الفكر العربي وغيرهما تؤكد هذا.. القاريء على وشك الانقراض..
بالطبع ليس هذا الحال دائما ..
هل الأمر يعزى إلى تخلف مايعتمده المثقفون من وسائل للتواصل مع الشارع ..كتب وقاعات..و
كما نوه أحد فرسان المنصة د.محمود الضبع أستاذ النقد الأدبي الذي ألح على التغيرات التكنولوجية الهائلة التي اجتاحت العالم خلال العقود الماضية وأحدثت انقلابا في وسائل التواصل ..فما عاد للكتاب سطوته التاريخية..
ولاأحد يمكن أن يتجاهل تلك الانقلابات التكنولوجية الهائلة في الوسائط التي تربط بين منتج الكلمة ومستهلكها..
لكن تغيير تلك الوسائط هو سبب القطيعة مابين منتجي الإبداع والفكر المستنير من ناحية ومستهلكيها؟
لاأظن..
فكتب بالشكل الورقي التقليدي..على شاكلة " النقاب طريقك إلى الجنة"  أو "سلاح التلميذ" أو "مذكرة ليلة الامتحان" يتلقفها الملايين من أبنائنا..!!!!!

وهذا وجه آخر للكارثة.. 
الإبداع الراقي..الفكر المستنير سلعة راكدة في المجتمع المصري..
بل أن ندوة مثل  تلك لو أقيمت في ميدان السيدة نفيسة وليس في قاعة مركز طلعت حرب لتساءل الناس : ايه اللي بيقوله المجانين دول!!!
 هذا يعني ببساطة أن المثقف سقط من اهتمامات الشارع..
ولدى الشارع أسبابه الوجيهة التي تجعله يتجاهل المثقف أو بالتعبير الدارج " رمى طوبته"

-  الخفير "غ" - حارس فيلا في القاهرة الجديدة .. تزوج حتى الآن ٩ وأنجب حتى الآن ١٧!!!!! 
وأقول حتى الآن لأنه مازال في مطلع الخمسينيات ..!! 
هل مثقفونا على دراية بفعلة غالب هذا ..؟
وإن  كانوا على علم..هل يبذلون أي جهد لمواجهة جريمته ..ولو ببوست من عدة أسطر على السوشيال ميديا..؟!!
 وكما نرى رحم الأم المصرية  في حالة خصوبة فريدة ..حيث ينبثق منه حوالي مليوني و٣٠٠ الف فم كل عام..اي ٤ أطفال كل دقيقة..
معدل مخيف ويطيح بكل ثمار معدلات التنمية حتى لو بلغت  ٩ أو ١٠%..
هل يبدي اي من مثقفينا اهتماما بذلك التحدي الخطير؟!..
لقد توجهت إلى الخفير " غ" ..وحاولت إقناعه وتنويره بأن مايفعله خطيئة كبرى ..فإذا به يحاول " تنويري" بأن مايفعله هو صحيح الدين..فلذت بقلمي ونشرت عنه مقالا في جريدة الدستور عنوانه " عدو مصر " ..لكني عرفت من أين يستمد  قوته .. مشايخ القاع..فحين شكوته لأحد هؤلاء المشايخ..كان رده:  " غ" هذا شيخ تقي ورع!!!
 وماأكثر الأورام السرطانية التي تتفشى في الدماغ  المصري ولاتنال أي اهتمام من مثقفينا :
- أكثر من ٦٠% من المصريين زبائن عند الشيخة خديجة المغربية ويهدرون على مباخرها  عشرات المليارات من الجنيهات سنويا .

- أكثر من نصف نساء مصر يحرمن بسبب تفشي الثقافة الذكورية من ميراثهن الشرعي..
- القبح كما نرى يستشري..ليس فقط في شوارعنا والتي تحولت إلى مقلب زبالة عالمي ..بل في وجداننا..حتى أصبح فرسان الوجدان الجمعي شاكوش و محمد رمضان..
- ظاهرة التسطيح الديني حيث تم تهميش الدين الحقيقي..دين الله ..وزنزنة علاقتنا به سبحانه وتعالى في نقاب ولحية وجلباب قصير و أدعية وأذكار وهل صليت على النبي ألف مرة..أما الاقتداء بسلوكيات الرسول الكريم وأخلاقياته..فلا كلمة واحدة تقال ..وكما نرى شاعت ظاهرة الغش في امتحانات الثانوية العامة وفي كل المراحل التعليمية خلال السنوات الماضية..ظاهرة يمكن أن تدمر أي مجتمع.. ولم نسمع عن شيخ صاح من فوق منبره بالحديث الشريف : من غشنا فليس منا !
هل نتحايل على الله..نظن أننا نحظى برضاه.. ان بسملنا ودعونا وتهجدنا..بينما لاشيء عن أوامره لنا بالعمل الصالح..بالتكافل..بمساعدة المحتاج..؟
ظواهر كثيرة تمثل خطرا داهما على المجتمع المصري ..بل وتهدد كل محاولات الدولة للارتقاء بالإنسان المصري..
تلك الظواهر هي طفح اختلالات ثقافية تستبد بنا..
ومع ذلك لاتشغل اهتمام مثقفينا..فلا تؤرق  قلمه..؟ ولا يسعى حتى في سلوكه اليومي.. في علاقاته بمن حوله ..الجار والبواب وسائق التاكسي والميكروباص.. إلى التصدي لها!!
وربما قد يعقب أحدهم على اسئلتي هذه بسؤال مفجع : وهل لدينا مثقفون!!!!

.بالمعنى   الشائع والمتعارف عليه .. ان المثقف هو الكاتب الذي  تكتنز ذاكرته بحشد من المعلومات ويجلس في غرفته المغلقة ليكتب عن رولان بارت ودريدا..فإن غادر غرفته فإلى قاعة أيضا مغلقة ليعتلي منصتها منظرا عن الوجودية والسريالية و البنيوية والتفكيكية..
هذا الصنف من المثقفين هو الشائع وما أكثرهم..
لكن ما يشغلني صنف آخر من المثقفين..هؤلاء 
 الذين يرتبطون جينيا وعلى مدار الساعة بالشارع؟
ان لم تخني الذاكرة فقد نوه أحد فرسان المنصة إلى أن أمر المثقف العضوي الذي  تحدث عنه المفكر الإيطالي انطونيو حرامشي في عشرينيات القرن الماضي ..هذا المثقف الملتحم بطبقته..قد عفا عنه الزمن..
وبالطبع لايبرح ماقاله جرامشي الذاكرة الجمعية للمثقفين..لكن هذا لايعني الاعتقاد بأنه المطلوب الآن..
مصطلح المثقف العضوي كان انبثاق خط إنتاج ايديولوجي..وبالتالي طبقي..
الأمر الآن مغاير..ثمة ملحمة بناء هائلة تشهدها الدولة المصرية للارتقاء بالاقتصاد ..بالطرق..بالصحة  ..
لكن الطريق ممترس بتلك الظواهر الاجتماعية التي تطفح من اختلالات ثقافية خطيرة ..دجل وشعوذة وثقافة ذكورية مشينة وتسطيح الخطاب الديني .. وحرب شائعات مغرضة ..وتطرف ديني..
التصدي  لتلك الظواهر في حاجة إلى حرب مقدسة على المثقف أن يكون في خطوطها الأولى..
مكنوز سطوري السابقة هي رؤية خاصة عما أراه انشطار ا بين المثقف والشارع..طرحت بعضها خلال الندوة..
        مشروع نجم
لكن ثمة رؤى أخرى شارك بها فرسان المنصة والقاعة..
ومنها رؤية الناقد والروائي د.السيد نجم ..وهي في الحقيقة مشروع ثقافي قومي ..سبق أن نشر في أكثر من مطبوعة ..وأراه جديرا باهتمام الدولة..
و بدءا يشدد  نجم 
على أهمية  أن تحتل الثقافة مكانتها في إستراتيجية العمل الوطني.. فهي القوة الناعمة. ولن يتحقق الإنجاز  إلا بالتنسيق مع التربية والتعليم. وتحقيق"العدالة الثقافية". وبناء "الآلة الثقافية"، بتوظيف المؤسسات الثقافية والعناصر البشرية.. فالمشهد الثقافى الآن يخلو من البوصلة الثقافية.
يستطرد نجم : إن غاية الرؤية الحفاظ على الهوية الوطنية وتزكى الإنتماء له. ﺇن الثقافة دليل التميز ووسيلة الإنتماء: لتحقيق رؤية شاملة، يجب أن يكون الجيل الجديد على دراية ب(فنون التقنية الرقمية)، وبتنشيط  "الترجمة".                              
ويحدد نجم أهداف الرؤية الثقافية لمصر في:
- إعطاء الطفل الأولوية فى العمل الثقافى، ودعم الوحدات الثقافية الخاصة بالطفل، والعمل على التواصل بينها، من أجل المزيد من التنسيق والتعاون (أو إنشاء المجلس الأعلى لثقافة الطفل)..
-العمل على شعار الثقافة الجماهيرية "الثقافة للجميع" بكل الوسائل: توفير الأوعية الثقافية فى القرى والنجوع من خلال الإنتقال إليها.. -التواصل بين المؤسسات الثقافية المختلفة- 
-دعم العنصر البشرى الإدارى.. والتعرف على كل مثقف ومبدع، للمساهمة في التنمية فى النشاط الثقافى الإبداعى.. وتشجيع تشكيل فرق عمل ثقافى، من خلال فكرة "التطوع".
- تعزيز المتاح من المؤسسات الثقافية.. المؤسسات الحكومية والخاصة.
- إعطاء الثقافة الرقمية ما تستحقه من  اهتمام لملاحقة العصر الجديد.
 ويتطرق نجم إلى التوجهات العملية للإستراتيجية الثقافية..وهي : 
أولا  إستراتيجية ثقافية– تعليمية    
ثانيا: إستراتيجية ثقافية- إعلامية..  
ثالثا: استراتيجية الثقافة – الصناعات الثقافية..  
رابعا: إستراتيجية الثقافة - العمل المؤسسى. 
خامسا: إستراتيجية الثقافة - تزكية الهوية والإنتماء.      
سادسا:  إستراتيجية الثقافة – الأمن الثقافى..  
سابعا: استراتيجية الثقافة – التنوع الثقافى                                                     وينبه نجم إلى محور  آخر..يتعلق بقضية التنوع الثقافي.
ويقول : 
-من غير المقبول بمبرر الأمن الثقافى  أن ننغلق على أفكارنا وأحوالنا. فالعولمة هي بلا شك خطر يهدد ثراء وتنوع الثقافات في العالم، لكنها تمثل كذلك فرصة لكل مثقف منتمى لقيم بلاده، بالتمسك بملامحه التراثية وهويته. وهو ما يلزم وضع برامج التقنية الرقمية موضع الإهتمام، ثم مساهمة المؤسسة الثقافية، بالمشاركة الفاعلة والتفاعل مع الشبكة العنكبوتية.                         
                                   
  جوبلز وسعيد باشا!!
أما الشاعر المؤرخ والكاتب الصحفي ماهر حسن رئيس قسم الثقافة والتراث في المصري اليوم فقد ذكر الحضور بمقولتين تاريخيتين تؤكدان علي أهمية دور المثقف والثقافة وهي كلمة النازي جوبلز " كلما سمعت كلمة مثقف أو ثقافة تحسست مسدسي " وكلمة والي مصر محمد سعيد باشا حين أغلق الكثير من المدارس التي أسسها محمد علي  وتساءل رجاله عن سبب هذا فقال :"إن قيادة أمة جاهلة أسلس بكثير من قيادة أمة متعلمة "!!!!! 
ودعا ماهر حسن وبحس مرح لتحويل الندوة إلي جلسة أصدقاء حميمين جالسين علي مقهي ويتحدثون في حضور آخرين بلغة جاذبة وبسيطة دون أن يختصم  هذا من  عمق الفكرة وبخاصة في مثل هذه القضايا الإشكالية المهمة خاصة أن المثقفين هم المسئولين أولا عن انقطاع الجسور بين النخبة والشارع،  حيث يطرحون القضايا المهمة في صالونات مغلقة وبلغة تقعيرية تنفر المتلقي العادي..
واستطرد ماهر حسن:  لقد غنت أم كلثوم قصائد فصحي بليغة وتفاعل معها الناس وكتب الكثيرون من شعراء الرفض القصائد التي تواصل معها المتلقي العادي ذلك أنه يتعين علي المبدع أن يمثل الضمير الإنساني في العموم والشارع المصري بهمومه وأحلامه ومشاعرة ، غير أن هذا لاينفي أن انعزال  النخبة عن الشارع ليس مسئولية المثقف فقط وإنما هي مسئولية جماعية المنزل والمدرسة والمنابر الإعلامية والمساجد وفي غياب هؤلاء وغياب التنسيق بينهم ستظل عقول الأجيال كالعلب يمكن ملؤها بأي أفكار مغلوطة أو ظلامية وتساءل ماهر حسن: أين الثقافة الجماهيرية؟
 – وهذا هو اسمها الأصلي الذي ترجم رسالتها وقت تأسيسها- لقد أصبحت قصور وبيوت الثقافة في مصر ملأي بالموظفين أكثر من المبدعين 
وتأكيدا علي أهمية حرص المبدع والمثقف علي التواصل مع الشارع وأهمية دور المثقف العضوي قرأ ماهر حسن قصيدة الأبنودي الشهيرة (الدايرة المقطوعة " التي تجسد جوهر هذا المعني.

مع الانفتاح انقلب الهرم!
المحلل السياسي د.عبد الحميد الموافي يعود إلى جذور الانهيار حيث يقول:
 - الثقافة في المجتمع تتفاعل وتتداخل مع مختلف الأنساق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها ومن غير الممكن فصل الثقافة كإطار كلي عن مكوناتها ولا عن الانساق الأخرى بحكم طبيعة الانسان والمجتمع والثقافة  أيضا.. وقد بدأ وضع المثقف في التدهور عندما ادت سياسات الانفتاح وما أعقبها من تطورات إلى وقوف المجتمع على رأسه وإعلاء قيمة المال على حساب الفكر.. كما همشت السياسة دور المثقفين بوسائل عديدة فاتحة المجال لمؤيدي السلطة وبعدت المسافة بين المجتمع والمثقفين بسبب تدهور التعليم والإعلام وتهميش كل ماهو جاد من أجل أغراض معروفة..
وشدد د.الموافي على أن السياسة لها تأثير كبير على الثقافة بكل مكوناتها وأذرعها ومجالاتها ..ولذا لا يمكن النهوض بالثقافة بدون دور سياسي واع ومشجع للثقافة وللمثقفين ولصالح الوطن ككل..ولعل الحوار الوطني المقترح ينجح في التوصل الى رؤية واستراتيجية يتم من خلالها الاتفاق على المصلحة الوطنية وسبل تحقيقها وحمايتها بتوافق كل القوى الوطنية ولصالح الشعب والدولة ككل لأننا جميعا في بوتقة واحدة تحتم تعاوننا جميعا والثقافة من اهم سبل بناء المواطن على النحو الذي نتمنى اذا اخذنا بالوسائل والسبل الصحيحة.
      الزمن غير الزمن!
أ. نهال القويسني الخبيرة السابقة في مؤسسة التنمية الدولية ترى أن الخطوة الأولى لمناقشة مشكلة العلاقة بين المثقف والشارع تقتضي الاعتراف بأن العصر الحالي قد اختلف فيه كل شيئ، بدءا من أدواته إلى أفكاره إلى إيقاعه، إلى التركيبة العقلية والنفسية للأشخاص.
تقول أ.نهال القويسني: 
من هنا نبدأ،  إدراك  أننا قد دخلنا منذ أعوام إلى حقبة مختلفة، بدأت مع بدايات القرن الواحد والعشرين. اختلفت فيها المنظومة القيمية الحاكمة لتعاملات الأفراد في إطار يقبله المجتمع، ويرتضي العمل بموجبه، وفقا لنظرية العقد الإجتماعي. تلك المنظومة انهارت في أعقاب يناير ٢٠١١، وأصبح هناك فراغ قيمي واضح، وبالتالي لم تعد هناك مرجعية واضحة يتفق عليها المجتمع ويقبلها، لأن أحدا لم يتقدم لملء هذا الفراغ القيمي بتصور واضح المعالم متكامل الجوانب، متوافق مع العصر ومستشرف لآفاق المستقبل. 
وتطرقت  نهال القويسني في هذا الشأن  إلى عدة  موضوعات.. هي.:
- معطيات المشهد الحالي قد اختلفت كلها، وبالتالي التعريفات والمفاهيم المتعلقة بالأفكار الأساسية السائدة في العقل الجمعي.
- إيقاع الحياة المتسارع قد ألقى بظلاله الكثيفة على المشهد بكامله، حيث أصبح لدى المتلقي وقت محدود لأنشطة مثل القراءة أو المسرح مثلا.
- اختلف المفهوم المعرفي وأنماطه السائدة، وبالتالي اختلف تعريف الألفاظ المتعلقة بها، بما فيها مفهوم الثقافة والمثقف. فلم يعد الأمر يتعلق بالتراكم المعرفي قدر تعلقه بالنسق العقلي والمنهجية المستخدمة في التفاعل مع الحياة بكافة نواحيها ومتطلباتها.
- لا بد أن نعترف أنه لا يمكننا التعامل مع المستقبل بأدوات الماضي فكرا وأدوات ولغة.
- انتشار الوسائط المعرفية المختلفة والمنصات التي تتيح التواصل بين الأفراد ومنتجي المواد الإبداعية المقروءة والمرئية بسرعة كبيرة وإيقاع أكثر تسارعا.   
- لا يمكن التعامل مع المجتمع ككتلة واحدة. وعلينا أن ندرس طبيعة المناطق المختلفة والمجموعات السكانية التي تعيش فيها، بحيث نصل إلى أفضل وسيلة للتواصل معهم، مع الاهتمام بمحتوى الرسائل وصياغتها، بحيث لا تتعارض مع ثقافة المتلقي فتسبب عزوفا من ناحيته ونفورا من الرسالة.
- كل ذلك لن يتم إلا من خلال رؤية قومية واضحة المعالم، ترتكز على جذور الأمة العريقة وعراقتها  التاريخية، مع إدراك تحديات العصر وقيمه وطبيعته، واستشراف آفاق المستقبل وموضع أقدامنا فيه.

تلك الرؤى التي طرحت في الندوة أليست جديرة بأن تحتل مكانا محوريا في أجندة مؤتمر الحوار الوطني..؟
 

احمد جلال

جمال الشناوي

ترشيحاتنا