ما هي البصمة المائية ؟ و ما دورها في التنمية الاقتصادية؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

تعتبر قضية المياه من القضايا المهمة والحيوية لتحقيق التنمية الاقتصادية والتي تواجه العديد من المجتمعات، نظرًا لندرتها من ناحية وتنامي الاحتياجات المطلوبة منها من ناحية أخرى، لذلك فهناك حتمية لاستحداث آليات جديدة للسياسات المائية وإيجاد سبل واعية وفعالة لرفع كفاءة استخدام الموارد المائية، حيث إن الحصول على المياه هو الهدف السادس للتنمية المستدامة للأمم المتحدة، فقد صنف المنتدى الاقتصادي العالمي أزمات المياه باعتبارها واحدة من أكبر خمسة مخاطر على الاقتصاد العالمي من حيث التأثير المحتمل كما تعد حساب البصمة المائية هو الخطوة الأولى في تحديد الفرص المتاحة لتقليل استهلاك المياه وتنفيذ التدابير اللازمة لإدارة أكثر استدامة للعديد من الموارد، و لن يؤدي ذلك إلى توفير مدخرات للاقتصاد المحلي فحسب، بل سيسهم أيضًا في الحفاظ على النظم البيئية الطبيعية، وبالنظر إلى الوضع الراهن ودراسة الأزمة المائية التي تمر بها مصر مع دول حوض النيل حول سد النهضة تأتي أهمية استحداث مفاهيم جديدة لترشيد الاستهلاك اليومي من المياه، كمفهوم البصمة المائية لتقدير حجم المياه اللازمة لإنتاج مختلف السلع والخدمات التي يستهلكها البشر.

إن معالجة مشكلات المياه على المستوى الوطني أو مستوى حوض الأنهار ليست كافية، لذا، فلابد من أخذ الأبعاد العالمية في الاعتبار وضرورة النظر في الحلول العالمية من خلال استحداث طرق جديدة لترشيد استهلاك المياه وتعزيز الاستخدام العادل والذكي للمياه وذلك من خلال المفهوم الحديث "البصمة المائية".

وقد ازداد الوعي بشأن ندره المياه العذبة؛ مما دفع الباحثين والمنظمات المهتمة بشؤون المياه لتطوير نظريات جديدة تساعد على فهم وتقييم وحساب الأثر البيئي والاجتماعي والاقتصادي الناتج عن الاستعمال المتزايد للمياه، حيث قدم الباحث (Arjen Hoekstra) اقتراحًا لأول مرة عن مفهوم "بصمة المياه" في عام 2002، وتبنته شبكة بصمة المياه (Water Footprint Network).

وتعرف البصمة المائية بأنها مقياس لكمية المياه المستخدمة لإنتاج كل من السلع والخدمات التي يتم استخدامها، وعلى سبيل المثال، زراعة الأرز أو الوقود الذي يتم وضعه في السيارة. كما توضح البصمة المائية كمية المياه التي تستهلكها دولة معينة، أو حوض نهر معين.

وتستخدم البصمة المائية لتحديد الهدف من استهلاك مصادر المياه العذبة المحدودة أو الملوثة. ويمكن أن تكون تقييمات البصمة المائية مفيدة في دعم جهود الدولة فى إدارة المياه من خلال توفير أداة لقياس وفهم استخدام المياه في جميع مراحل سلسلة التوريد. وبهذه الطريقة، يمکن أن تسهم تقييمات البصمة المائية في زيادة فهم المخاطر المتعلقة بالمياه. ومن ثم فهي تمثل لغة للتعبير عن استخدام المياه من منظور الإنتاج والاستهلاك في سياقات مختلفة.

وتأخذ البصمة المائية في الاعتبار الاستخدامات المباشرة وغير المباشرة للمياه أثناء عملية الإنتاج أو لقطاع أو مؤسسة معينة، وقد تشمل استهلاك المياه بداية من دورة الإنتاج الكاملة وخلال سلسلة التوريد إلى المستخدم النهائي.

أنواع البصمة المائية:

وتتضمن البصمة المائية ثلاثة أنواع وهي: البصمة المائية الزرقاء، والخضراء، والرمادية، حيث توفر هذه الأنواع معًا صورة شاملة لاستخدامات المياه من خلال تحديد مصدر المياه المستهلكة، سواء أكانت في صورة هطول أمطار أو مياه سطحية أو جوفية، وحجم المياه العذبة اللازمة لاستيعاب الملوثات.

إحصاءات البصمة المائية عالميًا

وفقًا لدراسة صادرة عن معهد اليونسكو لتعليم المياه (UNESCO-IHE)، بلغت البصمة المائية العالمية المتعلقة بالإنتاج الزراعي والصناعي وإمدادات المياه المنزلية نحو (9087) مليار متر مكعب سنويًا (74٪ أخضر، 11٪ أزرق، 15٪ رمادي) خلال الفترة (1996- 2005).

ويستحوذ الإنتاج الزراعي على الحصة الكبرى، من إجمالي البصمة المائية العالمية بنسبة 92٪، ويليه الإنتاج الصناعي بنسبة 4.4٪، ثم إمدادات المياه المنزلية بنسبة 3.6٪. بالنسبة للمنتجات، يسهم استهلاك الحبوب بأكبر حصة في البصمة المائية العالمية (27٪)، تليها اللحوم (22٪) ومنتجات الألبان (7٪).

وتتراوح البصمة المائية الاستهلاكية العالمية المقدرة (الأخضر والأزرق) من (5938 – 8508) كيلومتر مكعب/ سنة، ومن المتوقع أن تزداد البصمة المائية بنسبة تصل إلى 22٪ بسبب تغير المناخ وتغير استخدام الأراضي بحلول عام 2090. والجدير بالذكر أن ما يقرب من 57٪ من البصمة المائية العالمية تتعارض مع متطلبات التدفق البيئي. وهذا يستدعي اتخاذ إجراءات لتحسين استدامة المياه وحماية النظم البيئية التي تعتمد عليها.

جاءت الصين في مقدمة الدول استهلاكًا للبصمة المائية عالميًا، بإجمالي استهلاك يقدر بـ (1368) مليار متر مكعب/سنة، تليها الهند والولايات المتحدة الأمريكية بإجمالي استهلاك (1145)، (821) مليار متر مكعب/سنة على التوالي. ومن الواضح أن البلدان ذات الكثافة السكانية الكبيرة لديها بصمة مائية كبيرة. لذلك من المثير للاهتمام أن ننظر إلى البصمة المائية للفرد.

تتراوح البصمة المائية في الدول الصناعية ما بين (1250 - 2850) مترًا مكعبًا في السنة، حيث بلغت البصمة المائية في المملكة المتحدة نحو (1258) مترًا مكعبًا في السنة، في حين بلغت في الولايات المتحدة الأمريكية نحو (2842) مترًا مكعبًا في السنة.

يختلف نصيب الفرد من البصمة المائية في البلدان النامية أكثر بكثير من البلدان الصناعية. بقيمة تتراوح ما بين (550 -3800) متر مكعب في السنة للفرد، حيث بلغ حجم البصمة المائية في جمهورية الكونغو الديمقراطية (552) مترًا مكعبًا في السنة للفرد. في حين بلغ في بوليفيا نحو (3468) مترًا مكعبًا / سنويًا للفرد، والنيجر (3519) مترًا مكعبًا / سنويًا للفرد، ومنغوليا (3775) مترًا مكعبًا / سنويًا للفرد.

يمكن إرجاع الاختلاف في نصيب الفرد من البصمة المائية إلى الاختلافات في أنماط الاستهلاك من جهة والاختلافات في البصمة المائية للمنتجات المستهلكة من ناحية أخرى.

وقد بلغ المتوسط العالمي لاستهلاك البصمة المائية الزرقاء نحو (153) مترًا مكعبًا للفرد في السنة، بما يمثل 11٪ من إجمالي البصمة المائية، وتظهر بلدان في وسط وجنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا في القمة؛ حيث يمتلك المستهلكون في تركمانستان أكبر بصمة مائية زرقاء من بين جميع البلدان، بما يعادل (740) مترًا مكعبًا في السنة للفرد في المتوسط. أما الدول الأخرى التي لديها بصمة مائية زرقاء كبيرة فقد جاءت كالآتي: إيران (589)، الإمارات العربية المتحدة (571)، مصر (527)، ليبيا (511)، طاجيكستان (474)، المملكة العربية السعودية (447)، وباكستان (422) مترًا مكعبًا في السنة للفرد.

وتشير المحددات الرئيسة للبصمة المائية إلى خصائص الاستهلاك من حيث حجم ونمط الاستهلاك، وظروف الإنتاج من خلال كمية المياه المتبخرة في مكان الإنتاج والممارسة الزراعية أي كفاءة استخدام المياه في الزراعة.

قياس البصمة المائية من أوجه مختلفة

يمكن تحديد العلاقة بين إدارة المياه والاستهلاك وعولمة التجارة من منظور إنتاجي، ومن منظور حكومي، ومن منظور تجاري؛ وذلك على النحو الآتي:

قياس البصمة المائية من منظور المنتجات

ويقصد بها تحديد حجم المياه العذبة المستخدمة في إنتاج المنتج، ويتم تجميعها عبر مختلف مراحل سلسلة الإنتاج، ويتم قياس "استخدام المياه" من حيث كميات المياه المستهلكة (المبخرة) و/ أو الملوثة. وتعد البصمة المائية مؤشرًا جغرافيًا واضحًا، حيث يُظهر مواقع وتوقيت استخدام المياه، بالإضافة إلى نوع استخدام المياه: (البصمة المائية الخضراء، والزرقاء، والرمادية).

البصمة المائية هي مؤشر لاستخدام المياه الذي ينظر في كل من الاستخدام المباشر وغير المباشر للمياه من قبل المستهلك أو المنتج. ويشير الاستخدام المباشر للمياه إلى استخدام المياه من قبل المستهلك أو المنتج نفسه، في حين يشير الاستخدام غير المباشر للمياه إلى استخدام المياه في سلسلة إنتاج المنتجات التي يشتريها المستهلك أو المنتج.

قياس البصمة المائية من منظور الدولة

تشير البصمة المائية داخل الدولة إلى إجمالي كمية المياه المستخدمة لإنتاج السلع والخدمات التي تستهلكها الدولة، وهذا يشمل المياه المستخدمة لتجهيز المنتجات المستهلكة محليًا، أو المياه المستخدمة في صنع مُنتجات التصدير، وتختلف "البصمة المائية داخل الدولة" عن " البصمة المائية للاستهلاك الوطني"، والتي تشير إلى كمية المياه المستخدمة لإنتاج السلع والخدمات المستهلكة من قبل البلاد سواء أكانت هذه السلع والخدمات مُنتجة محليًا أو تم استيرادها من الخارج.

 

يمكن تقييم البصمة المائية من منظور الدولة بطريقتين: أولًا؛ في النهج من أعلى إلى أسفل، يتم حساب البصمة المائية لأي دولة على أنها إجمالي استخدام موارد المياه المحلية بالإضافة إلى إجمالي استيراد المياه الافتراضية مطروحًا منه إجمالي تصدير المياه الافتراضية. أما النهج التصاعدي فهو النظر في مجموع جميع السلع والخدمات المستهلكة مضروبة في البصمة المائية للمنتج الخاص بكل منها.

قياس البصمة المائية من منظور الأعمال التجارية

بالنسبة للعديد من الشركات، تعتبر المياه العذبة مكونًا أساسيًا لعملياتها، وتدرك العديد من الشركات اليوم أن الفشل في إدارة قضية المياه العذبة يثير أنواعًا مختلفة من مخاطر الأعمال، بما في ذلك الضرر الذي يلحق بصورة الشركة، والتهديد بزيادة الرقابة التنظيمية، والمخاطر المالية الناجمة عن التلوث، وعدم توافر المياه العذبة غير الكافية للعمليات.

ويدرك عدد من الشركات متعددة الجنسيات الآن أن الإدارة الاستباقية يمكنها تجنب المخاطر والمساهمة في ربحيتها وقدرتها التنافسية. وينظر إلى محاسبة البصمة المائية للأعمال بشكل متزايد على أنها جزء أساسي من محاسبة أداء الشركات المستدامة. حيث يدرك عدد كبير من الشركات أنها ليست عملية منفردة فحسب، بل أيضًا إمداداتها تعتمد على أنظمة المياه الطبيعية وتؤثر عليها.

وتحدد البصمة المائية من منظور الأعمال من خلال تحديد البصمة المائية التشغيلية والذي يقصد بها الاستخدام المباشر للمياه من قبل المنتج للإنتاج أو لتصنيع أو للأنشطة المساندة، وتحديد البصمة المائية لسلسلة التوريد والاستخدام غير المباشر للمياه في سلسلة إمداد المنتج.

سلسلة المياه الافتراضية هي سلسلة إنتاج واستهلاك السلع كثيفة الاستهلاك للمياه. وتتكون سلسلة المياه الافتراضية النموذجية من المزارع أولًا، ومعالجة الغذاء ثانيًا، ثم عمليات بيع التجزئة وقد تعتمد كل مرحلة منها على بعض مدخلات المياه الحقيقية وتدفق المياه الافتراضية، حتى تنتهي هذه السلسة بالمستهلك.

ممارسات لتقليل البصمة المائية:

من منظور المستهلك؛ الحد من البصمة المائية المباشرة من خلال ممارسات يومية لتوفير المياه، وتقليل البصمة المائية غير المباشرة من خلال استهلاك منتج من المنتجات ذات البصمة المائية القليلة بدلًا من المنتجات ذات البصمة المائية الكبيرة.

وعلى سبيل المثال استهلاك البطاطس بدلًا من الأرز في هولندا أو سكر البنجر بدلًا من سكر القصب، واستخدام الملابس القطنية التي نشأت من مناطق أكثر رطوبة بدلًا من المنتجات القطنية المنتجة في المناطق شبه القاحلة. ويتطلب هذا الإجراء تزويد المستهلك بالمعلومات المناسبة حول البصمات المائية لمنتجات معينة.

أما من منظور الأعمال التجارية؛ فإن الحد من البصمة المائية التشغيلية يأتي من خلال توفير المياه في العمليات الخاصة. والحد من البصمة المائية لسلسلة التوريد يأتي من خلال التأثير على الموردين، أو تغيير موردين، أو تحويل نموذج العمل من أجل دمج سلاسل التوريد أو التحكم فيها بشكل أفضل.

من منظور الدولة؛ فإن الحد من البصمة المائية التنظيمية الخاصة بالمؤسسات الحكومية يأتي من خلال تقليص البصمة المائية للخدمات العامة، وتضمين تحليل البصمة المائية في التشريعات، ودعم أو إجبار الأعمال من خلال عمل حسابات سنوية للبصمة المائية، وتنفيذ التدابير التي تقلل من آثار المياه التجارية، وتعزيز شفافية المنتج من خلال الترويج لبطاقات التعريف المائية للمنتجات كثيفة الاستهلاك للمياه؛ ومن خلال الفواتير الخاصة بالمياه للشركات أو القطاعات.

فالنسيا (Valencia) أول مدينة في العالم تقيس البصمة المائية في القطاع السياحي:

image

استطاعت "فالنسيا"، مدينة بإسبانيا أن تصل إلى معلم جديد في التزامها بتطوير السياحة المستدامة من خلال أن تصبح أول مدينة في العالم تقيس البصمة المائية في القطاع السياحي.

 

وأظهرت دراسة جديدة أجرتها شركة Global Omnium بالتعاون مع مؤسسة Visit València ومجلس مدينة فالنسيا، حول تأثير الإجراءات البشرية على موارد المياه، وحساب استهلاك وتلوث المياه العذبة المشتقة، بشكل مباشر أو غير مباشر، من مختلف مكونات النشاط السياحي، من النقل والإقامة إلى الاستهلاك في المطاعم وأماكن الترفيه.

 

تعد هذه المبادرة جزءًا من استراتيجية السياحة المستدامة في فالنسيا لجعل المدينة وجهة خالية من الكربون بحلول عام 2025، وبالمثل، تهدف فالنسيا إلى تطبيق بصمة مائية محايدة من خلال إدارة أكثر كفاءة.

 

ووفقًا للدراسة، بلغ إجمالي حجم استهلاك المياه المشتق من القطاع السياحي في فالنسيا في عام 2019 نحو (74.23) هكتومترًا مكعبًا، مما يعني أن البصمة المائية تبلغ (0.315) متر مكعب لكل سائح يوميًا، حيث يبلغ إجمالي حجم المياه التي يستهلكها السياح بشكل مباشر 16% فقط ولا سيما في أماكن الإقامة السياحية، في حين أن 84٪ هي نسبة الاستهلاك غير المباشر المرتبط بإنتاج السلع والخدمات، أو تجهيز الأغذية للسائحين في المطاعم، وفي يونيو 2020، تحققت المدينة من البصمة الكربونية لقطاع السياحة بأكمله في المدينة، وبالتالي الحفاظ على هدفها المتمثل في أن تكون أول وجهة سياحية محايدة للكربون في العالم بحلول عام 2025. وتواصل مدينة فالنسيا اتخاذ خطوات لتصبح رائدة عالميًا في مجال الاستدامة.

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي

ترشيحاتنا