أخر الأخبار

طبق كشري بشطة "التخلف" !

نادر حلاوة
نادر حلاوة

زبون دائم في مطعم "كشري" متواضع ، يتناول يومياً طبقا كبيرا يسكب عليه كمية هائلة من الشطة ، فيلتهب لسانه ، ويشتعل جوفه ،وتدمع عيناه ،ويسيل أنفه في مشهد يومي متكرر ينتهي كل ليلة بأزمة حادة في أمعائه الغليظة ،  لكن هذا المشهد لا يدفع أي من من العاملين في المطعم لتوجيه النصح للزبون بعدم الإسراف في تناول الشطة ، فالزبون "خلقه ضيق" ولا يتقبل النصائح بسهولة حتى لو كانت لصالحه ، وآخر ما يرغب فيه صاحب المطعم وعماله هو مضايقة أي زبون بأي طريقة ، فالزبائن هم مصدر دخل هذا المطعم وإذا شعر أحدهم بعدم الارتياح سيذهب ببساطة إلى مطعم آخر.  

بهذا المنطق التجاري البديهي القائم على مبدأ "الزبون دائما على حق" لا يُتوقع انتهاء معاناة هذا الزبون مع الشطة بل ستتفاقم أكثر فأكثر .
وهذا نفسه حال كل الزبائن في مطاعم السياسة والإعلام والفن وغيرها ، فإرضاء الزبون أو (المواطن) غاية السياسي حتى لا يفقد تأييده في صندوق الانتخابات أو ينفس عن ضيقه في الشارع .

والإعلامي أيضا يسعى جاهدا لإرضاء الزبون أو (المشاهد) فيقدم له ما يتفق مع أفكاره وقناعاته ورغباته دون أن يصدمه برأي مخالف ، ففي زمن الإعلام الذي تآكلت "ميمه" فصارت "نون" تحول "الإعلام" إلى "إعلان" وباتت نسبة المشاهدة هي الفيصل في بقاء هذا البرنامج أو ذاك على الشاشة أو بمعنى آخر استمرار دخل الإعلامي أو انقطاعه لينضم إلى صفوف العاطلين ، وهذا الوضع يكاد يتطابق حرفيا مع حالة العاملين في مطعم الكشري فرضا الزبون من رضا الجنيه أو الدولار أحيانا.

وتستطيع أن تقيس نموذج السياسي أو الإعلامي على مجالات أخرى فنية وثقافية يسعى أصحابها إلى إرضاء الناس وعدم إزعاجهم بأي أفكار صادمة ، والنتيجة هي القضاء على أي فرصة لتغيير هذا المجتمع للأفضل .

الأزمة الحقيقية هنا أن أي تغيير إيجابي منشود في حياة الناس يجب أن يتجه إلى الأفكار السائدة في المجتمع لينقيها ويستبعد منها ما لا ينفع ويستحدث غيرها ، وهكذا تتطور المجتمعات ، وهكذا تخلع الشعوب رداء التخلف لتلتحق بركب الحضارة المعاصرة ، لتعيش بالفعل في زمانها الحقيقي لا في أزمنة مضت وتخلفت عن الحاضر بعدة قرون.

وحين تجد أن الفن يسعى لإرضاء السواد الأعظم من الناس سترى أعمالا فنية تنشد نجاح مهمتها هذه بمواكبة مستوى الذوق الفني العام ، فلا أمل هنا في الإرتقاء بهذا الذوق ، وستجد أن مبدأ إرضاء الجمهور سيصل ببعض صناع الأعمال الفنية إلى تحقيق معادلة النجاح المضمون بمخاطبة أدنى ما في النفس البشرية ، ستجد خطاب الغرائز هو الأعلى صوتا ، وإذا ارتقى قليلا سترى العواطف في خلطة فنية تعتمد على نفاق العامة بتكرار نفس أفكارهم وقناعاتهم بما فيها من سلبيات ، لذلك ستشاهد أعمالا فنية تمجد فكرة الثأر أو جريمة الشرف بإعتبارها نموذجا لتقاليد عتيدة تعكس صفات العزة و الكرامة ، وستجد عناوين صحفية يوميا تؤكد على أن التحرش مسؤولية المرأة و أن شرفها متعلق بملابسها وهي فكرة تدغدغ مشاعر مجتمع تم صياغة وعيه لعشرات السنين بأفكار على نفس الشاكلة .

ستجد برامج تليفزيونية تخاطب الجانب الخرافي في العقل الجمعي ، فطالما أن الزبون يعشق الخرافة سنمنحه ما يريد حتى لو كانت الخرافة هي المستنقع الذي يخرج منه تجار الدين ليتحكموا في العقول و القلوب وفي صناديق الانتخابات أحيانا.

وستجد مثقفين يخشون على أنفسهم من إظهار قناعاتهم الحقيقية ، فالثمن باهظ إذا غضب الزبون بسبب أي فكرة تخالف هواه أو قناعاته ، وعندما يغضب الزبون يعلم هذا المثقف أو ذاك أنه سيجد نفسه وحيدا أمام وحوش التكفير ومقصلة قوانين محاكم التفتيش المعاصرة .

ولنفس السبب ستجد حتى بعض رجال الدين يكررون ما يحب الناس سماعه    محتفظين بما لديهم من رؤى مختلفة عن الرؤى الدينية السائدة ليذهبوا بها إلى قبورهم دون أن يطلع عليها أحد .

وهكذا تدور الشعوب في حلقات مفرغة قوامها التخلف ، الدنيا تتغير ، وهم لا يتغيرون ، الزمن يمضي للأمام وهم عالقون متعلقون بقناعات وأفكار من حقبة زمنية بعينها ، في الوقت الذي لا يجرؤ فيه أحد على مواجهتهم بالحقيقة المرة ، وهي أن الثبات في عالمنا يعني التخلف ، ففي أي سباق للجري ستجد المركز الأخير مضمونا لمن يختار التوقف فجأة في منتصف السباق حتى لو كان قبل توقفه يحتل المركز الأول.

الثبات على المباديء و القناعات ليس صوابا في حد ذاته إلا إذا كانت هذه المباديء والقناعات صحيحة ، ولا يمكن الحكم على صحتها إلا بمراجعتها ونقدها بحرية ودون شروط مسبقة ، وهذه المراجعة النقدية هي القاعدة الأساسية التي انطلقت منها شعوب وأمم فتجاوزت هوة التخلف لتبلغ قمة الحضارة ، بعكس شعوب أخرى يشيع فيها نفاق العوام خوفا وطمعا ، خوفا من نبذ المجتمع ومعاداته ومن عواقب اختلاف الرأي و الفكر التي تورد إلى التهلكة سجنا أو قتلا ماديا أو معنويا وربما يكون نفاق العوام طمعا في المكانة الاجتماعية والمادية باستقطاب أكبر عدد من الزبائن الراضين المرضيين .

لا يمكن إنقاذ مجتمع من براثن التخلف إلا إذا تمت مواجهته بعيوبه الذاتية النابعه من أفكاره وقناعاته وإلا سيظل كما هي عادته يتناول "الكشري بالشطة" فتئن أمعاؤه وتستمر معاناته لتصب في أرباح المطعم .
 

احمد جلال

جمال الشناوي

ترشيحاتنا