ملفات وحوارات

معركة استعادة "طابا".. 30 عامًا علي انتصار الدبلوماسية المصرية


الاخبار المسائي
3/21/2019 5:11:35 PM



مازال المصريون يتذكرون بوضوح، مشهد رفع العلم علي "طابا"، لينهي مفاوضات الدبلوماسية المصرية، لاستعادة بقعة غالية من أرض الفيروز، في معركة لم تستخدم فيها رصاصة واحدة، خاضتها كتيبة من رجالات مصر، في القانون الدولي، استخدم فيها الحجة والبرهان، لفضح زيف المزاعم الإسرائيلية.
لم تكن المعركة في ميدان الدبلوماسية سهلة كما يتوقع البعض، فإسرائيل مدعومة بمساندة المجتمع الدولي، تحاول كعادتها طمس الحقائق وتزييف التاريخ، وعرقلة اتفاقية السلام، التي وقعها الرئيس الراحل أنور السادات، بدماء الشهداء علي أرض سيناء.
وإذا كانت استعادة "طابا"هي إنجاز هؤلاء الرجال الوحيد، لكان كافيًا لوضع أسمائهم في سجل الرجال العظماء على مدار تاريخ مصر، الذين جعلوا إسرائيل تستفيق من أحلامها، على مشهد جر مواطنيه وإخراجهم بالقوة، والدموع والذل والحسرة في أعينهم، وهم يرون العلم المصري يرفرف علي بقعة غالية من أرض مصر.
أزمة الحدود مع إسرائيل
يفصلنا عن مشهد تحرير طابا 30 عامًا، وتحديدًا في 19 مارس 1989، ومازالت عظمة المشهد عالقة في ذهن كل مصري، بدأت الأزمة خلال تنفيذ المرحلة الأخيرة من اتفاقية السلام، في أواخر عام 1981، عندما سعي الجانب الإسرائيلي لافتعال الأزمات للتملص من التزاماته الدولية، بإثارة المشاكل حول 14 علامة حدودية، أهمها العلامة 91 في طابا.
أمام المناورات الإسرائيلية، تم إبرام اتفاق في 25 أبريل 1989، والخاص بالإجراء المؤقت لحل مسائل الحدود والذي نص على عدم إقامة إسرائيل لأي إنشاءات وحظر ممارسة مظاهر السيادة، على أن يكون الفصل في علامات الحدود، طبقًا لأحكام المادة السابعة من معاهدة السلام بين البلدين، والتي تنص على حل الخلافات بشأن تطبيق أو تفسير المعاهدة عن طريق المفاوضات، وأنه إذا لم يتيسر حل هذه الخلافات بالمفاوضات فتحل عن طريق التوفيق أو تحال إلى التحكيم.
وكعادتها فإن إسرائيل لم تحترم الاتفاق، وشرعت بعد مرور 3 أشهر فقط، في افتتاح فندق سونستا وقرية سياحية في طابا، ولم تكتف بذلك بل أدخلت قوات حرس الحدود للمدينة، وأمام هذه الاستفزازات لم تجد مصر، وسيلة لحل الخلاف إلا بنقل المعركة لميدان الدبلوماسية.
كتيبة تحرير "طابا"
وكانت أولى خطوات المعركة، هو اختيار كتيبة تحرير طابا، بقرار مجلس الوزراء في مايو 1985، بتشكيل اللجنة القومية لطابا برئاسة الدكتور عصمت عبد المجيد وعضوية 24 خبيرًا، منهم 9 من خبراء القانون، و2 من علماء الجغرافيا والتاريخ، و5 من كبار الدبلوماسيين بوزارة الخارجية، و8 من العسكريين وخبراء المساحة العسكرية.
خاضت كتيبة تحرير طابا مفاوضات طويلة ومضنية، بدأت بتشكيل لجنة لإعداد مشارطة التحكيم، وكان النجاح الأول هو قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي بالموافقة على التحكيم، تم توقيع اتفاقية المشارطة بمشاركة شمعون بيريز في 11 سبتمبر 1986، والتي قبلتها إسرائيل بضغط من الولايات المتحدة.
وهدفت مصر من تلك المشارطة إلى إلزام الجانب الإسرائيلي بتحكيم وفقاً لجدول زمني محدد بدقة، وحصر مهمة هيئة التحكيم في تثبيت مواقع العلامات الـ 14 المتنازع عليها.
المحكمة الدولية: طابا مصرية
تبارى الجانب المصري والإسرائيلي أمام ساحة المحكمة الدولية في جنيف، في معركة تدرس في الدبلوماسية والقانون حتى وقتنا هذا، تسلح فيها الجانب المصري، بوثائق وخرائط وبراهين، تثبت أن طابا جزء أصيل من التراب المصري.
بدأت مرحلة التحكيم، بعد قبول إسرائيل المشارطة، عهدت وزارة الخارجية المصرية بمهمة إعداد المذكرات إلى لجنة مشارطة التحكيم والتي تشكلت برئاسة نبيل العربي، ممثل الحكومة المصرية أمام هيئة التحكيم في جنيف، واستعانت لجنة الدفاع المصرية بالدكتور"دريك باوت" في المقابل، استعانت إسرائيل بالدكتور "لوتر باخت"، وكلاهما أستاذ في القانون الدولي ولديه خبرة دولية في هذا النوع من المنازعات.
وضمت هيئة التحكيم الدولية 5 أعضاء تمثلوا في كل من: الدكتور حامد سلطان عن الجانب المصري، وعن إسرائيل روث لابيدوت، والثلاثة الآخرون هم: بيليه رئيس محكمة النقض الفرنسية السابق، وشندلر أستاذ القانون الدولي بسويسرا، ولاجرجرين رئيس محكمة ستوكهولم.


وعقدت الجلسات مع هيئة التحكيم وبدأت بتقديم مذكرة افتتاحية مايو 1987، ثم تلقت المحكمة المذكرات المضادة والردود من الطرفين في أكتوبر 1987، واتفق الطرفان على تقديم مذكرة ختامية في يناير 1988، إضافة إلى جولتين من المرافعات الشفهية في مارس وأبريل من نفس العام.
واستمرت المرافعات 3 أسابيع حتى صدور الحكم لصالح مصر في 29 سبتمبر 1988 داخل قاعة المجلس الكبير بالمقر الرسمي لحكومة مقاطعة جنيف، في حضور وكيلي الحكومتين، وأعضاء هيئة الدفاع لكلا الجانبين، بأغلبية 4 أصوات والاعتراض الوحيد من الجانب الإسرائيلي، ووقع الحكم في 230 صفحة.
لتنتهي القضية برفع الرئيس الأسبق حسني مبارك علم مصر على طابا، في مشهد نقلته قنوات التليفزيون العالمية، وعلى الجانب الآخر نقلت دموع وحسرة المواطنين الإسرائليين، وهم يخرجون بالقوة من بقعة غالية من أرض الفيروز.