ملفات وحوارات

«الاخبار المسائي» اخترقت عالمها السري لتكشف المستور .. مصحات الإدمان غير المرخصـــــــــــــة.. ساحات للتعذيب والتنكيل


مجدي عصام
12/17/2018 4:03:29 PM









يؤسسها متعافون يستخدمون »العنف« لجلب الزبائن
العاملون في إحدي المصحات قيدوا مريضاً في السرير لمدة ثلاثة أيام
تستخدم عقاقير مهدئة لترهيب المرضي وليس علاجهم
إبراهيم : رحلة علاجي من الإدمان تكلفت  أكثر من مليون جنيه بسبب نصب المصحات
مريض: في نوبة هياج ظننت أنني  في قبر مظلم وتعرضت لـ«تعذيب شديد»!
سيد: بدأت بـ «ربع حباية» ترامادول ثم وصلت إلي 3 حبات وانتهيت بالأستروكس
ديحا : حجزت شقة أنا وزملائى «المتعافين» بأكتوبر لعلاج الإدمان.. وتاجر مخدرات يجلب لنا المدمنيين


المفترض ان يكون القائمون على مصحات علاج الإدمان  ملائكة رحمة هبطوا من السماء لإنقاذ أبنائنا الذين سقطوا فى مستنقع الإدمان، وإعادتهم إلى طبيعتهم مرة أخرى. هذه هى الصورة الصحيحة لمعظم المصحات الرسمية  لكن دائماً ما يتخلل الأعمال الصالحة فاسدون لانتهاز واستغلال الوضع المأسوى للكثير من الأسر ممن سقط أبناؤهم فى دائرة التعاطي والكيف اللعين، حيث ابتكر عدد من الشباب المتعافى بالتعاون مع آخرين مصحات لعلاج الإدمان (دليفرى) تستخدم هذه المراكز غير المرخصة أساليباً مخالفة لكل طرق المصحات الرسمية للخط الساخن لعلاج الإدمان التابع للدولة أو غيرها بالمستشفيات الخاصة، حيث وضعت قانون لنفسها يدعى العلاج بالإجبار لعلاج المدمن من خلال (شحنه) بالإكراه من منزله بمجرد الإبلاغ عنه من قبل أسرته لإيداعه بالمصحات المزعومة دون السماح له بالخروج إلا بإذن صاحب المصحة كأنه فى سجن من أجل التعافى.. وهو ما يتنافى مع كل بروتوكولات علاج الإدمان.

(الأخبار المسائى) حاولت اختراق العالم السري للمصحات وشحن المدمنين..ليس بطرح أسئلة صحفية «من بعيد لبعيد» على أصحاب تلك المصحات ومسؤوليها..بل تسلل إليها كمدمن يبحث عن علاج في مغامرة محفوفة بالمخاطر.. انتهت برصد خفايا العلاج المشبوهه داخل هذه المصحات.
بدأت جولتنا على أحد الكافيهات بمنطقة المهندسين، منتظراً صديقاً لى، وجدت شاباً لم يتعد عمره الـ16 عاماً فى حالة غريبة، وبجواره أصدقائه يطالبونه بالكف عن التعاطى لمخدر الأستروكس.. اقتربت منه أكثر وسمعته يهلوس ويُخرج أنفاسه بصعوبة بالغة، فوجدت شخصاً يُدعى محمد يدخل الكافيه، ويقول لأصدقاء الشاب إنه يعمل فى إحدى المصحات النفسية، وإنه يعلم كيفية إفاقته من تلك الحالة، ثم طلب من المتواجدين فى المكان الذهاب بعيداً حتى يتمكن من إفاقته، وبالفعل قام بعصر أنفه بقوة، فأصيب بحالة من التشنج فى أطراف يديه وقدميه، ووقع على الأرض طريحاً وألقى المياه على وجهه، وفى غضون ربع ساعة استعاد الشاب وعيه.
هنا قررت أن أقوم بمغامرة صحفية تكشف كواليس بداية التعاطى حتى الوصول لمصحة الإدمان الخاصة.. في اليوم التالى ظهر المُعالج فى نفس المقهى حيث يُدعى محمد سيد، حيث تعرفت عليه بهوية مستعارة وطلبت منه العلاج من إدمان الحشيش، فرد: «كيف الحشيش كيف بهوات»، نظرت له باندهاش، فقال «أنت أحسن من غيرك، أنت بتشرب الحشيش مش الأستروكس» قلت له لقد تعاطيته ولم يعجبنى وشعرت بإحساس غريب وأن روحى تخرج من جسدى» انتهى اللقاء الاول بعد حوار طويل عن مصحات العلاج.. توجهت فى اليوم التالى إلى الكافيه فلم أجده.. بعد دقائق شاهدت الشاب الذى أُصيب بحالة إغماء وتشنج إثر تناوله مخدر الأستروكس وقمت بالتعرف عليه أيضاً، ودار حديث معه حيث يدعى سيد.م، يبلغ من العمر 17 عاماً، وإنه فى الصف الثانى الثانوي الفنى، وقد تعرف على عدد من الشباب المنحرفين، وظل يجالسهم لعدة أشهر، وبالمخالطة بدأ بتناول عقار الترمادول، بحجم «ربع حباية»، كما جاء على لسانه ثم تدرج بعد ذلك إلى أن وصل إلى 3 حبات حتى يستطيع الاستيقاظ في الصباح، واستطرد بأنه لم يكتفِ بذلك بل تناول مع أصدقائه في الشارع مخدر الحشيش، وظل يتناوله أيضاً لبضعة أشهر إضافية حتى قام أصدقاؤه بإعطائه سيجارة ملفوفة بها مخدر الأستروكس. 
مرحلة الإدمان
يقول سيد إنه بعد فترة من تعاطيه مخدر الأستروكس من قِبَل الأصدقاء، وجد نفسه مندفعاً لشرائه من بائعيه دون أن يدرى، فليس معقولاً أن يستمر «كيفه» على نفقة أصدقائه، وكانت عملية الشراء - على حد قوله - «دليفرى» بمجرد رفع سماعة التليفون على «الديلر» يحضر على الفور في أقل من ربع ساعة، ويتعاطي مع أصدقائه في أحد الشوارع المُظلمة في منطقتى المهندسين وأحمد عرابي.. 
تتابعت الزيارات للكافيه على أمل لقاء محمد أو سيد إلى أن وجدت الأخير فاقترب منى وقلت.. يا عم «سيد» أرغب فى الذهاب إلى إحدى المصحات التى تعالج الإدمان حتى أُقلع عن مخدر الحشيش، فعاجلنى «انت شغال؟ فأجبته بـ«لا».. وتابع فى سؤالى: معاك فلوس؟ قلت «نعم»، فسكت لبرهة ثم أتبعها «عايز تعرف ايه بالضبط؟، فكان الرد منى «تفاصيل الإقامة، والتكلفة في اليوم، والفترة التى سأقضيها للعلاج»، فقال «انت هتقعد معانا 3 شهور، وهتدفع 3 آلاف جنيه فى الشهر الواحد، والمكان هيكون فى مدينة 6 أكتوبر، وفيه كثير من الأماكن اللى كنت بشتغل فيها بالقاهرة والجيزة، تم الاتفاق معه على أن أُحضِّر حقيبتى، وأُجهِّز نفسى للتوجه برفقته إلى المصحة فى اليوم التالى الساعة الثانية عشرة ظهراً بعد مقابلته بميدان لبنان بالمهندسين.
رحلة إلى المصحة
بالفعل ذهبت إليه قبل الموعد بساعة ونصف، وانتظرته في الميدان واصطحبنى داخل سيارته التى أوقفها على أحد جانبى الطريق، فجلست بجواره واتفق معى أنه سيكون مجرد وسيط.
الخداع سيد الموقف
حينما وصلت إلى المكان شاهدت فيلا مكونة من طابقين تحوطها حديقة صغيرة وعلى واجهتها بوابة حديدية مجنزرة، ذهب عقلى بعيداً لأتخيل المشهد من الداخل حتى قبل أن أدخل.. «هيا بنا»، تلك الجملة التى كنت أستعجلها من المدمن الصغير «محمد»، فعند توجهنا نحوها وجدنا باباً ضخماً يتعدى سمكه أبواب القصور الضخمة، به عدد كبير من الترابيس والأقفال، وكأن المبنى زنزانة تضم متهمين خطرين للدرجة التى يُخشى هروبهم فنظرت أمامي وشاهدت بهواً كبيراً به كرسيان فوتيه على جانبيه، وعلى اليسار كنبة من الجلد ذات حجم كبير، وأمامها مكتب لمدير المكان «المصحة»، 
تنهدت قليلاً ثم جلست على الكرسى القريب من مكتب المدير، وإذ بأحد المسؤولين عن المكان يفاجئنا بالدخول، ويطالبنا بإحضار بطاقتينا للاستعلام عنا، كما طلب أيضاً البيانات الشخصية والهواتف المحمولة التى بحوزتنا، وأى شىء نخشى عليه من الضياع.. ورغم غرابة المطالب والتوجس الشديد من رؤيتنا إلا أننا استجبنا بالفعل، فمن ناحيتى أخرجت له تحقيق الشخصية التى تحتوى على بياناتى قبل العمل في مهنة الصحافة، ثم فعل مرافقى الأمر نفسه، بينما قام المسؤول بتسجيل بياناتنا فى كشكول كبير، غالباً هو ما يتم تسجيل النزلاء فيه والزائرين، وبعد ربع ساعة حضر شخص يُدعى «محمد» تحدث معى، طارحاً علىَّ عدة أسئلة من بينها: لماذا حضرت إلى هنا؟ وأى نوع من المخدر كنت تتعاطاه؟ ومدة وزمن التعاطى؟.. ومثلما فعلت مع الأول فعلت مع الثانى، ليعطينى بعدها كبسولة مهدئة للأعصاب، أخرجها من درج المكتب الذي كان يجلس عليه، لونها أبيض، تناولتها أمامه، والتى جعلتنى فى بضع دقائق فى حالة استرخاء وأسأله فى التو واللحظة أين السرير.....؟
ما لا يُصدقه عقلك
قام أحد العاملين باصطحابى إلى المكان المخصص لاحتجاز المدمنين، ثم صعد بى إلى الدور الثانى الكائن بداخل الفيلا، وشاهدت لدى صعودي 3 غرف بها مراوح سقف، وشبابيك مغلقة بأقفاص حديدية، وشبابيك «شيش» خشبية مقفلة بسلاسل حديدية ومغلقة بأقفال حديدية، وتتكون الغرفة من 5 أسرَّة خشيبة، وعليها مراتب اسفنجية خفيفة جداً، وشاشات تلفاز 19 بوصة معلقة على الحوائط أمام الأسرَّة، وكذلك بالغرفتين الآخرين.
كما شاهدت «كرسى خشبى» بجانب السلم، يجلس عليه أحد العاملين في الفيلا تبدو عليه الشدة ويتسم بالحزم والجدية المُفرطة في التعامل مع النزلاء.. أيضاً شاهدت أعداداً كبيرةً من الشباب داخل الغرفة الواحدة، والأعمار فى الغالب ما بين 17 إلى 35 عاماً..
الخطف و«الشحن»
وبعد إفاقتى وجدت نفسى مندفعاً ناحية شابٍ أعلمنى بأنه يُدعى «أحمد» من منطقة إمبابة، وقال لى إنه حضر إلى المكان منذ أكثر من أسبوعين عن طريق «الشحن»، فتعجبت من الكلمة، وسألته «الشحن» ما علاقته بعلاجك؟ فقال: أنت عارف الواحد فينا بيبقى عامل إزاى لما بيكون شارب مخدر الأستروكس»، قلت له مستغرباً: «إزاى»، فرد: «بيخلينى شايف إنى أنا الراجل الوحيد اللى في العالم، لم يشعر بأى شىء، وأحضروه إلى هذا المكان، وأنه تحدث مع بعض الأشخاص لمعرفة سبب مجيئه إلى هنا ثانى يوم، شارحاً طريقة إحضاره بأن هناك 3 «بودى جاردات» طُوال القامة كانوا يستقلون سيارة ملاكى نزلوا منها وقاموا بتقييدى وربط يدى خلف ظهرى وكمموا فمى حتى لا أصرخ وأستغيث بالمارة، إلى أن وجدت نفسى فى هذا المكان الغريب عن طريق نصيحة أحد الجيران لوالدى وعندما سألته عن سبب ما فعله بنفسه، قال: «الأستروكس إسرائيل هرَّبته لشباب مصر، بس أقولك على حاجة، وقاموا بتصنيعه علشان يوفرولنا عملة صعبة».. تملكنى الضحك بقوة وباقى الزملاء فى الغرفة على ما سمعوه من الشاب.. 
اليوم الأول.. فى المصحة
فى الصباح استيقظ الجميع على السجائر، وانتشرت سحابة كثيفة داخل الغرفة من الدخان، توجهت إلى الحمام، ثم شاهدت أحد الشباب في غرفة مجاورة، تبدو عليه مظاهر التعب والإرهاق، ويُطالب الموجودين بأن يتكىء على أحد حتى ينزل على السلم لتعاطى الدواء الموصوف له من قبل الأطباء، وبالفعل قمت أنا وزميل آخر بإنزاله إلى البهو، وجلس على الكرسى، ثم تم إعطاؤه برشام من قبل ممرض بالمستشفى يُسمى «سوكا»، والذى قمت بسؤاله عما أعطاه له، فقال إنه مهدئ وباسط للعضلات، وبعدها بدقائق طلب الشاب أن يذهب إلى السرير الخاص به، فأوصلناه إليه وجلس قليلاً ثم غرق فى النوم.
حالة من الريبة والخوف انتابتنى أثناء جلوسى مع المدمنين بالغرفة، ما استدعانى إلى مغادرة الغرفة، والنزول إلى الطابق الأول «البهو»، إذ شاهدت “سوكا”فجلست بجواره وحضر شخص يُدعى مندى يبلغ من العمر 17 عاماً حسبما علمت من كلامه مع «سوكا» الممرض وقد ظهر عليه الانفعال والغضب، وقال بلهجة عنيفة «أنا عايز أمشى من هنا علشان خاطر أمى وأبويا انتوا بتاخدوا فلوس منهم، وأنا خلاص خفيت ومش شايف علاج ولا أطباء ولا حاجة، على العموم أنا عايز أمشى، فطالبه «سوكا» بأن يصعد «فوق» أى إلى الدور العلوى الذى جاء منه، وفى النهاية انفعل «مندى» على «سوكا»، ثم ذهب إلى الطابق العلوى، وبعد دقائق نزل مرة أخرى لـ«البهو» حاملاً حقيبة ملابسه، ومصمماً على الخروج ،إلا أن عدداً من العاملين بـ«فيلا المصحة» تقدموا إلينا وقاموا بتكتيفه أمام الجميع، وتوثيق يديه وقدميه، حتى يكون عبرة للآخرين إن طلبوا هذا الطلب، ثم حملوه وتم إيداعه داخل غرفته على السرير.
قصة مفبركة 
في اليوم الثانى من وجودى بالمصحة، قام أحد المسؤولين بها ويُدعى «أحمد» بالتعرف على ورويت له قصة مفبركة.. ما إن انتهيت من قصتى المزيفة إلا وفوجئت به يقوم بإعطائى «برشام أبيض اللون»، فسألته عن اسمه، ولماذا يُؤخذ، فقال لى إنه مهدئ وباسط للعضلات، وطلب منى تناوله، ففعلت ذلك أمامه مضطراً حتى لا يشك فى أمرى، ثم شعرت أن أعصابى تراخت، وقمت بالذهاب إلى السرير وخلدت للنوم دون أن أشعر.
باب النجار مخلع
وبعد إفاقتى بعد ساعه من النوم نزلت إلى البهو وتعرفت عليه حيث قال: «كنت أمتلك أموالاً من وراء عمل والدى بإحدى الدول العربية، حيث كان الفراغ يملأ حياتى، وتعرفت على أحد الأصدقاء المدمنين لمُخدر الحشيش، وتعاطيت معه، ثم تعرفت على أصدقاء آخرين كانوا من الأثرياء الذين يتعاطون «الكوكايين»، ثم عرضوا عليَّ أن أجرب الكوكايين «البدرة» وفى يوم فوجئت بسيارة يخرج منها 3 أشخاص، وقاموا بتكبيل يديه وإدخاله السيارة بالقوة، ثم وجد نفسه في المصحة، وظل هناك لفترة قاربت الـ10 أشهر إلى أن تعافى، وبعدها خرجت إلى الحياة الطبيعية.. وفجأة شاهدنا شخصاً يتلفظ بشتائم وسباباً ونزل مسرعاً طالباً أن يُغادر تلك المصحة، فحاول معه العم «أحمد» الذى كنت أجالسه بأن يهدأ، ثم لم تمر ثوان قليلة حتى أصيب هذا الشخص بحالة هياج شديد، وحضر مسؤولو الأمن وقاموا بتكبيل يديه وحمله إلى الأعلى وضربه أمام الجميع.
توجهت إلى غرفتى لنسيان ما رأيت، لم أتمالك أعصابى وتوجهت مسرعاً إلى العم «أحمد» المسؤول بالمصحة، وعاتبته بحكم معرفتى به: لماذا فعلت ذلك بالشاب يا عم «أحمد»؟ فطلب منى الصمت والذهاب إلى غرفتى وعدم الحديث مع أحد حتى لا أتعرض للإهانة.
غير آدمية 
أخفيت هاتفى داخل ملابسي، إلى أن جاء الموعد وحانت الفرصة لالتقاط الكلمات، ثم قمت بإخراجه خلسة، وسجلنا لأحمد أحد مدمنى الأستروكس، وهو من منطقة إمبابة، ولديه مخبز قال إنه كان يتعاطي مع أصدقائه بالمنطقة وأخيه الذى يُدعي سيد، حيث حضرا إلى المصحة حتى يمتنعا عن تعاطى المُخدرات، وعبَّر عن رغبته فى الامتناع عن المُخدرات ولكن شقيقه سيد لا يُريد ذلك، حتى فوجئت بشخصٍ قادم نحونا وسمعت فرد أمن المصحة يدعوه بـ«ديحا»، وعلمت من سؤالى عنه بأنه مسؤول بالمصحة، ذهبت إليه مباشرةً وبادلته الدعابة، وبين الأخذ والرد فى الكلمات تعرفت عليه، ودار حديثٌ مطول بيننا عرفت من خلاله الكثير عن هذه المصحة.
مصحة.. مشروع مدمنين
«ديحا» قال إنه كان يتعاطى المُخدرات، وبعد الشفاء منها قرر هو ومجموعة من المُدمنين الذين كانوا مثل حالته مكونة من 6 أشخاص استئجار فيلا فى الحى المُتميز، ويقوم كل شخصٍ بدفع مبلغ10 آلاف جنيه أو أكثر حتى يتمكنوا من فتح مصحة، وبالفعل قاموا بالشراكة فيما بينهم باختيار الفيلا في إحدى المناطق بالحي المُتميز بـ6 أكتوبر واستأجروها من صاحبها، كما قاموا بشراء 20 سريراً وفرشها بمراتب اسفنجية خفيفة، بحيث يتم توزيعها على 4 غرف، كل غرفة بها 5 أسرَّة، كما تم شراء ثلاجة لوضع الأطعمة وبوتاجاز لتحضير الطعام للمرضى، وأنتريه لاستقبال الأهل وسجاد للأرضيات، وبهذا أصبحت المصحة جاهزة لاستقبال المُدمنين.
الاتفاق والمساعدة
«ديحا» قص علينا أيضاً كيف أنه اتفق مع الشركاء فيما بينهم بأن يقوم كل شخص بجمع مجموعة من المُدمنين من خلال منطقة كل شخص، والتعرف عليهم خاصة الأعمار الصغيرة، ومحاولة إقناعهم بأن يذهبوا إلى المصحة لكى يُعالجوا من الإدمان والامتناع عن بيع وشراء هذه السموم التى تُدمر حياتهم ومستقبلهم وأموالهم.
واستطرد: قام أحد الشركاء بـ«تجنيد» أحد البائعين للمُخدرات ليجلب له زبائن من المُتعاطين المُقبلين عليه، وأعطاه أموالاً حتى يجلب له المُدمنين المتعاملين معه ومن يعرفهم، أيضاً اتفق شريك آخر من الشركاء بأن يكون مسئولاً عن أهالى المُدمنين، وكيفية محاسبتهم بمعنى «الفلوس» التى سيأخذها منهم مقابل علاج أولادهم. 
وبذلك أنهيت الجزء الأول من المُغامرة الصحفية التى كنت أنشدها، حيث حضر صديقى لأخذى والذهاب بي إلى المرحلة الثانية، وأثناء خروجنا سوياً من المصحة استوقفنا أحد العاملين بها، قائلاً: «ممكن تشحنوا أحد المرضى معاكوا على مصحة سيد المتواجدة فى الحى الريفى بطريق إسكندرية الصحراوي»، فوافق صديقي على طلبه، وقمنا باصطحابه معنا بالسيارة إلى المصحة.
الطريق إلى المصحة 
«نقل المدمن» «الهاف واى» 
بعد خروجنا من الفيلا «مصحة فى مدينة 6 أكتوبر» توجهنا إلى السير فى طريق مصر- إسكندرية الصحراوي لما يقرب من نصف ساعة، وتحديداً عند الكيلو 55، وجدنا أنفسنا أمام بوابة مدون عليها «الحي الريفى» وسرنا بالسيارة ما يقرب من ربع ساعة أخرى بداخل الحى وسط أشجار من المانجو والجوافة إلى أن وصلنا المصحة، وقام فرد الأمن بالتحدث إلى أحد العاملين بها حتى نتمكن من الدخول، والذى حضر إلينا وقام بفتح الباب، وعقب دخولنا إلى الفيلا «المصحة» شاهدت مجموعة من الشباب المُدمنين جالسين على كراسى خشبية، وذلك ببهو مخصص بها، أيضاً رأيت بهذا البهو مطبخاً وبوتاجازاً كهربائياً ذات شعلتين، وغسالة أوتوماتيك متهالكة، وبالجوار حجرة صغيرة بها حمام، أيضاً شاهدت غرفة عرفت فيما بعد أنها مخصصة لـ«الاجتماعات» بها أنتريه جلد كبير، وكراسى يجلس عليها المدمنون.
«الهاف واى»
لم يمر أكثر من ساعة على دخولى المصحة الجديدة إلا وتعرفت على جميع المُتواجدين بها، وأيضاً أحد المسؤولين ويُدعى «سيد إمام» والذى قال لى «كنت أتناول مخدر الأستروكس قبل علاجى من الإدمان، وآخر مرة تناولت فيها ذلك المُخدر بنسبة كبيرة انتابتنى حالة تُشبه الصرع وظللت أصرخ وأستغيث بمن حولى وأُحطم كل شىء يُقابلنى»، واستطرد حديثه بأن «عقله هيأ له بأنه فى القبر يُحاسب، وقبره مظلم وملئ بالحيات والعقارب والأفاعى وكان يُعذب عذاباً شديداً.
واختتم كلامه بأن هناك اجتماعاً يقوم به الزملاء في المصحة وجلسة يُسمونها «المصارحة» ستبدأ الساعة التاسعة مساءً.. 
توجهت إلى إحدى الغرف، وقمت بالتقاط صور للغرف والشبابيك الحديدية المُجنزرة بالسلاسل الحديدية حتى لا يتمكن أحد من الهرب، ولاحظت أثناء التقاط الصور أن هناك كمية كبيرة من الحشرات داخل المكان، 
هبطت إلى الطابق الأول مرة أخرى، وتلاحظ لى أن الطابق الأول متواجد به ما يقرب من 15 مدمناً، حيث كانوا يستعدون لعقد الاجتماع اليومي المُسمى بـ»زمالة المدمنين المجهولين»..
المصارحة بين المدمنين 
وعلى الفور تجمع المدمنون، وبدأ أحد المدمنين بتوزيع أوراق يقوم المُدمن بقراءتها، حيث يبدأ المُدمن بتعريف اسمه، فيبادله الجميع الترحاب، ثم يتابع بقراءة الورقة، حيث يقول الجمعية لا تهدف إلى الربح وتتكون من رجال أصبحت المُخدرات مشكلةً رئيسيةً بالنسبة لهم، فنحن مدمنون نتعافى ونجتمع معاً بانتظامٍ لنُساعد بعضنا البعض، كى نبقى ممتنعين، إنه برنامج للامتناع التام عن جميع أنواع المُخدرات، وعضويته لا تتطلب إلا شيئاً واحداً وهو الرغبة في الامتناع عن التعاطي..
بعد أن انتهى المُدمن من تلاوة ما جاء فى الورقة.. يبدأ الآخر بقراءة ورقة أخرى، ويظل المدمنون يتلون ما في الأوراق، إلى أن يقوم المُشرف من المدمنين بعمل جلسة مصارحة، ويتحدث كل فرد من المُدمنين ويقول ما يشعر به، وإن كان مكتئباً أو أي شىء يشعر به مع زملائه أو تجاه أى شخص داخل المصحة، وتظل الجلسة ممتدة لأكثر من ساعتين متواصلتين، يروى كل مُدمن ما كان عليه حتى وصوله إلى ما انتهى به المطاف ورغبته في الخروج من المصحة..
قصة مدمن 
صعدنا إلى الطابق الثانى، وكان بجوارى شخص يُدعى «هانى» من الهرم، كان محجوزاً فى إحدى المصحات قبل مجيئه إلى هذا المكان، وهذه المصحة يمتلكها شخص يُدعى أنور أنسى فى منطقة شبرامنت، جلست بها 4 أيام لم أتناول الطعام، وكنت أتعامل معاملة سيئة، وعندما طلبت منهم مغادرة المستشفى قاموا بتعذيبى، وتعاملوا معى بأسلوبٍ غير آدمى.. وتابع هانى: لم يكتفوا بذلك، بل قاموا بتحديد عدد السجائر التى يتناولها المُدمن في اليوم، ويبدأ المُشرف بمحاولة إيقاعى فى أى أخطاء حتى يتمكن من معاقبتى بسبب أو بغير سبب، كما قاموا بإعطائى حبوب هلوسة، وكلوزابكس، وصافنيز، وحقنة كوربكسول.. وأضاف أنه عندما سمح له المُشرف بمغادرة المستشفى لكى يرى والديه كان يصطحبه أحد المُرافقين من المصحة، لكنه هرب منه أثناء سيره معه بالشارع، وبعد ذلك قام أقاربه بإحضاره إلى ذلك المكان.
وأقبل على مجلسنا مريض آخر علمت أنه يُدعى إبراهيم يبلغ من العمر حوالى 32 عاماً، وبدأ يُشاركنا الحديث: فقال أدمنت المخدرات لمدة 5 سنوات، بعد أن حصلت على ميراث كبير وسيارة، وأوصلنى الإدمان إلى استبدال السيارة، وبيع الشقة ملكى، وتركت خطيبتى، وفى النهاية بعت السيارة لتاجر فى الصحراء، وكنت أعمل رئيس قسم إلكترونيات فى إحدى الدول العربية، وفقدت عملى بعد أن بعت كل ما أملكه، وقررت بعدها العلاج من المرض».
ويضيف: «دخلت مصحة في الجيزة غالية، إذ كان الشهر بها يتكلف 5 آلاف جنيه علاجاً فقط، وتحاليل أول كل شهر بمبلغ 4 آلاف، ووجدت نفسى أدفع 12 ألف جنيه خلال شهر ونصف»، بعدها قررت الذهاب لمستشفى لعلاج الإدمان، واكتشفت أن الأدوية التى يُعالجون بها تُسبب تشنجات، ويكون العقاب بالأدوية، لو طالب أحد مغادرة المستشفى».
وكشف «إبراهيم» عن أن العلاج فى مراكز علاج الإدمان يكون من خلال أدوية «كافينز» وحقن «كوربكسول»، والتى تسبب ارتخاء فى الأعصاب، والتبول اللاإرادى، والتشنج، ويستخدمها الممرضون لترهيب المرضى وليس علاجهم»، مضيفًا: «من ساعة ما دخلت الديتوكس بشوف مناظر مش تمام، وفعلا «الهاف واى»، الأمر الذى جعلنى أترك الديتوكس بعد 5 أيام فقط»، لافتاً إلى أن رحلة العلاج من الإدمان كلفته أكثر من مليون جنيه».
وبعد ذلك انتقلت إلى الغرفة الثانية، وتحدثت إلى مدمن آخر يُدعى «غانم»، والذى قال: «رأيت الموت بعينى فى الديتوكس، ودفعت آلاف الجنيهات بعد أن عزمت على التخلص من المرض، لكن يا روح ما بعدك روح، حيث اكتشفت أن القائمين على المركز ليسوا أطباء، وكانوا يحقنوننى بمحاليل كثيرة تُوقظنى من عز النوم وتجعلنى أهذى بكلمات غير مفهومة، بخلاف تسببها فى زيادة نبضات القلب، حتى إننى كنت أتحسس قلبى بيدى خوفاً من توقفه. 

هكذا انتهت  مغامرتنا.

خبراء: نسعى لدمج جميع المصحات تحت مظلة الأمانة العامة لـ«الطب النفسى»

منى العدوى

أكد الدكتور إيهاب الخراط، استشارى علاج الإدمان، ومدير عام مراكز الحرية لإعادة تأهيل المدمنين، أن الإدمان مرض مزمن لا يمكن التخلص منه بالحقن أو المكوث لمدة شهر بأى مكان علاجى مهما كان، فهو مثل الضغط والسكر يجب على المريض الالتزام بتعاليم الطبيب طيلة العمر حتى لا يتعرض لانتكاسة.
وأشار الخراط إلى أن سر الانتكاسة السريعة للمرضى فى المستشفيات ترجع لاهتمام أصحاب المستشفيات بالبيزنس أكثر من العلاج، فكثيراً ما يساعد الممرض المريض فى المستشفيات الخاصة على جلب المخدرات للمرضى، فضلاً عن تبادل المدمنين أرقام التجار فيخرجون بأجندة تليفونات ويكونون مستعدين للعودة من جديد، والسبب يرجع إلى أن تلك المستشفيات لا تعتمد أسلوب علاج سلوكى وإنما طبى فقط، علماً بأن العلاج الصحيح هو استبدال عادات وحياة المدمن السيئة بأخرى جديدة، كى لا يشعر بفقدان كل شىء مثل أسلوب العلاج ببرنامج12خطوة، لذا تكون نسبة التعافى فى المراكز العلاجية المعتمدة على العلاج السلوكى الهاف واى 66%، شرط المواظبة على حضور اجتماعات علاجية مثل «المدمنون المجهولون» وتقل نسبة انتكاستهم مع الاستمرار فى الاجتماعات فى أول عام من العلاج إلى 50%، تصل إلى 25% بعد 3 سنوات، لتصل ما بين 3 إلى 5% بعد 5 سنوات من المتابعة، لافتاً إلى أن الانتكاسة لا تعنى الفشل فى العلاج، فالمدمن فى هذه الحالة مثله كمن يتعلم لغة جديدة قد يرسب فى أول اختبار أو الثانى لكنه يتقنها بالإصرار والعزيمة.
وأكد الخراط على ارتفاع نسبة الإدمان بين الفتيات والأطفال بسبب ممارسات التجار وتسويقهم للمواد المخدرة، وأساليب الدعاية الجديدة التى يتبعونها لإغواء الفتيات، بعد تشبع سوق الرجال، غير أن الأزمة فى إدمان الفتيات أن الأهل غالبا لا يدعمون علاجهن، ويريدون التخلص منهنّ لارتباط إدمان البنات بالعار، بـ70% من المدمنات يمارسن البغاء للحصول على جرعاتهن المخدرة مقابل 5% من الرجال يفعلون الأمر نفسه.
بينما قالت دكتورة راغدة محمد الجميل أخصائى الطب النفسى وعلاج الإدمان إن العلاج في المستشفيات الحكومية يكون على أسس طبية ومعاير عالمية يتم التعامل مع المريض حسب حالته المرضية ويتم تحديد إقامته داخل الغرفةو يتعامل مع المريض ممرض مختص بحالته علماً بأن تكاليف العلاج فى المصحات الحكومية أرخص بكثير من المصحات الخاصة، حيث علاج الفرد المدمن تعدي 5 آلاف جنيه. أما نوعيات الشحن فيقوم بها أهل المريض أو الجريان بالبلاغ عن المدمن، وتقوم فرقة من المصحات الخاصة عادتة ما يكون من البودى جاردات، التى يتم تعيينهم من قبل المصحة.
وأكدت راغدة ان الفرق «الشحن» يكون معه صورة من المريض الذي سيتم الإمساك به وعندما طابق الصورة بمواصفات الشحص ينقض عليه الفريق ويقوم بتكبيله وادخاله في السيارة وفي حالة اسيقافهم من قبل رجال الشرطة يقوم أحد أفراد الشحن بالاتصال بأقارب المريض ويتضح الأمر ويتم الذهاب به إلى المصحة. 
وأكدت أنه بصدد إصدار قانون من مجلس الشعب لجعل جميع المصحات تحت مظلة الأمانة العامة للصحة النفسية.