ملفات وحوارات

حوار مع "ألة" .. واقع يمتزج بخيال ماكينات الفني ..قادرين علي كسر القيود ..وتحقيق المنشود .. ونفرض أنفسنا في المستقبل


وائل المنجي
12/6/2018 4:45:28 PM


هنا بمدرسة الثانوية المتقدمة بالمنصورة واحدة من أعرق المدارس الفنية بمصر ، وأثناء زيارتك " للمتقدمة " تبهرك منشأتها التي تفوح منها رائحة عبق السنين ، يروادك شعور بالصمت كي تنصت إليها وتستمع لرواية أركانها الزاخرة بتراثها التاريخي . 
فمدرسة المتقدمة بمدينة المنصورة واحده من المدارس الصناعية علي مستوي الجمهورية والبالغ عددها 1111 مدرسة بعدد فصول قدر ب 24892 فصلا ، بإجمالي عدد طلاب 874326 طالب .
وأثناء تفقدي قسم الماكينات لم يختلف انطباعي كثيرا .. الإنبهار هو الإحساس الذي امتلكني وسيطر علي وجداني بل وتفكيري ، واعتلي عقلي فضول رهيب لأعرف أسرار وحكايات تلك الماكينات . وفجأة توقفت أمام أحد الماكينات والتي ارتسمت عليها ملامح الشيخوخة رغم أنها مازالت تدور تروسها وتعمل . وبدأت التأمل بتمعن وراودني شعور بأنها تبادلني نفس النظرات ، بل وتهمس في أذني بكلمات تحمل الفخر والعزة والكرامة ، وبكلمات خافته همست قائلة من أنت ؟ فتلهفت بالإجابة أنا صحفي .. ردت قائلة بجد ! ؟ واستطردت عاوزه أتكلم وأحكي معاك ، فكانت اجابتي .. أنا هنا من أجلك ، وكل اذان صاغية .
أولا أنا أسمي مخرطة معادن ، أعمل بطاقة 380 فولت ، وأنا الأصل في التصنيع ، لي ماضي مشرف ، وأفرض نفسي أيضا بالمستقبل .
أنا لي الشرف أن يكون تصنيعي في مصر بمصنع 999 الحربي ، صنعني سواعد مصرية عام 1962 ، وتم ارسالي إلي أحد المدارس الفنية بمحافظة بورسعيد ، وأثناء مرارة الهزيمة والإنكسار تجهرت أيضا مع أبناء بورسعيد ،  كما تم توزيعي عام 1974 هنا ، ووأعتبر وجودي بمدرسة المتقدمة من حسن حظي ،فهنا المدرسة الثانوية الفنية المتقدمة ثان أقدم المدارس علي مستوي مصر والتي أنشأت عام 1926 بعد مدرسة جمال فهمي بالقاهرة .. ومنذ تاريخ وجودي هنا لم يتوقف ماتوري وتدور تروسي للإنتاج والتعليم .
وما هي المهام التي تقومي بها ؟
أنا أعمل 10 عمليات من خرط عدل ، ومدرج ، ومسلوب ، وداخلي ، وخارجي . وقمت أيضا بتعليم الطلاب وتخرج علي يدي طلاب مؤهلين  لسوق العمل ، فمنهم من أقام مشاريع هنا ومنهم من سافر بالخارج ، والغالبية العظمي من الطلاب إلتحقوا بكلية الهندسة ، فمنهم مهندس المعماري ومنهم مهندس إنتاج ، ومنهم مهندس ميكانيكا وغيرهم وغيرهم .
كلية الهندسة من تعليم فني ؟
 نعم وهذه حقيقة ، الفني طريق سهل للوصول للجامعة ، كنت أسمع الطلاب يتحدثون أنهم دخلوا الفني للبعد عن شبح الدروس الخصوصية والبعد أيضا عن التوتر والضغط العصبي للثانوي العام ، ويقولون أيضا أننا هنا لنتعلم مهنة قائمة علي التعلم والمعرفة ، وهذا ما يجدونه هنا . فأنا لدي طالب بالصف الأول حاصل علي مجموع درجات 273 بالشهادة الإعدادية ، وهذا يعتبر عرف سائد هنا فأتذكر الطالب محمد عبد الرازق وعبده مرسال فكلاهما يمتلكان مصنعان للخراطة والتفريز ، وأيضا الأستاذ محمد السعيد رئيس قسم الماكينات بالمدرسة ومعلم أول خبير تدريب علي مهامي منذ كان طالب وتخرج عام 1980 والتحق بالتدريس عام 1984 ومنذ ذاك التاريخ نعمل سويا ، فيقوم هو بتولي تقسيم الطلاب لمجاميع ، فكانت المجموعة الواحدة من 20 إلي 24 طالب بالعام الواحد أثناء نظام الثلاث سنوات ، وتغير هذا النظام في عام 1992 ليصبح سنوات الدراسة خمس سنوات وتم تقليل المجموعة لتتراوح بين 12 إلي 18 طالب ، ليصل عدد الطلاب الذي قمت بتدريبهم وتخريجهم منذ تهجيري من بورسعيد إلي 440 طالب .
كيف يتم الإهتمام والعناية والصيانة لكي ؟
الأساتذة هنا هم من يتولون هذا الجانب ، فهم يعشقونني وأنا أبادلهم هذا الشعور " بنا عشرة عمر " ودائما يبزلون قصاري جهدهم للحفاظ علي من تغير تردد الطاقة التي تشغل الماتور ، بجانب تنظيف الرايش والأتربة ، وتغير الزيوت في مواعيدها ، ولكل هذا أنا بصحه جيدة ، ولا تنسي أنني تصنيع مصري ، يعني الجودة والدقة .
ورسالتي بأننا لدينا تاريخ في التصنيع وستفرض الأيدي العاملة نفسها في المستقبل ، نحن نعود إلي الماضي وهذا ما تسيرعليه الدولة حاليا لعودة التصنيع ، فاقد الشيء لا يعطية ونحن من أعطينا وأنتجنا .
ماهي المنتجات التي كانت تصنعها المدرسة ؟
ردت المخرطة المصرية قائلة لن تصدق ما أبوح لك به !! فهمست قائلة عندما تنتهي من زيارتك قم بزيارة لمكتب مدير المدرسة وأطلب منه رؤية الميداليات الفضية والذهبية التي حصلت المتقدمة عليها . نعم ميداليات أولي علي مستوي مصر ، ففي عام 1949 حصلت مدرستي علي ميداليات التصنيع في الميكانيكا وصناعة الجلود وفن النقش والنسيج ، وذلك بالمعرض المقام بمركز شباب الجزيرة بالجيزة .. نحن رواد ، ولدينا الحافز والمهارة وبدأ الطريق يتوحد ، وجاءت اللحظة كي يتحرك الجميع لتصحيح الأوضاع ، نحن قادرون علي العودة .
هل مررتي بلحظات فخر وسعادة منذ تهجيرك حتي الأن ؟
كثيرة جدا أولا عندما أشاهد طلاب متفوقين  يقفون أمامي ويتعلمون ، وقمة سعادتي أيضا عندما يأتي يوم التكريم ، فهو يوم احتفال والسعادة ، فيأتي الطلاب كلية الهندسة ، ويحتفلون هنا بقسم الميكانيكا وقسم السيارات ، والجميل أن زيارتك اليوم وهو يوم الوفاء فسنحتفل جميعنا اليوم . فهذا فخري الأكبر ، وأأكد أن لنا ماضي مشرف يؤهلنا للعودة للتصنيع ويسد عجز ما يحتاجه سوق العمل .
أهم المشاكل التي تعوق الدخول بمنتجات التعليم الفني لمنافسة السوق المحلي والخارجي ؟
الطلاب هنا لديهم طموح وطاقات خارقة وأفاق واسعة ونتمني إطلاق العنان لفكرهم وانتاجهم ليغذو الأسواق ، ولكن هناك معوقات منها مشروع رأس المال والقيود المحيطة به ، والضرائب المبالغ فيها التي تعجز الجميع عن الإنتاج ، وروتين الصرف ، والمزايدات وطرحها ، مع التغير المستمر في زيادة الأسعار ، جعلت الجميع في حالة تجمد . بجانب الحساب الموحد ومشاكله "
برجاء التوضيح " استطردت مخرطة المعادن قائلة أن الجميع يستهدف دعم التعليم الفني ، والحل هو الدائرة المستديرة ، عن طريق جمع كل الأطراف المنوطة بالعملية التعليمة من وزارة التجارة والتعليم والتعليم العالي والمالية وذلك من أجل توحيد الهدف والتناغم ، ليحرر في المقام الأول مشروع رأس المال لفتح أفاق التصنيع ، وفك شفرات وتلاصم قيود الصرف والتوريد وعدم ربطها بأيام محددة وإلغاء الضرائب التي جعلت منتجي أغلي 30 % من سعر السوق المحلي ، جميعها أجهض المشاريع ، عكس كل هذا علي القائمين بالعملية التعليمة ومدرسين ومديري المدارس الفنية المنتجة مما أصاب الجميع بفتور وتوتر مع الواحدات الحسابية بالإدارات . وينبغي علي المائدة المستديرة أن تأخذ قرار بتحرير الحساب الموحد الذي إفتعله عهد الإخوان ، وان تكون لكل مدرسة ميزانية خاصة بها من إرادات ومصورفات ، وخاصة أن جميع حسابات الإدارات التعليمة تخضع للجهاز المركزي للمحاسبات ، وأيضا الرقابة الإدارية ، فنحن يجب أن نعود للإبداع .
أما مشروع رأس المال أيضا يخضع للرقابة ، ويجب تحرير قيوده ، من أجل العودة للسوق المحلي بل والتصدير والمنافسة بأسعار أقل من تحكم التجار يستفيد بها المواطن المصري ، وذلك أيضا وفق الفكر القومي التي تسير به مصر حاليا . نعم نحن قادرون ، ولكن علينا أن نبدأ .
هل هناك مياكينات معدلة تقوم بنفس المهام والعمليات بكفاءة مثلك ؟
نعم هنا بالمدرسة وحده خاصة من ماكينة خراطه وماكينة فريز وكلاهما يعملان بالكمبيوتر ، ومدرستي لها شرف أولوية الحصول علي تلك الوحدة ، فهي تقوم بتدريب الطلاب والمدرسين بل والموجهين أيضا ، وأطلب منك أيضا زيارتها قبل مغادرة المدرسة .
  اختصار لكمبيوتر نيوماتيكل .  « N Cوأسمها مخرطة   
تم إنشائها عام 2002 وحضرت للمدرسة عام 2006 ، وتعمل بطاقة كهربائية 736 وات 2.5 كيلو 3 حصان ب 220فولت ، وصناعة أنجليزية ، طلمبه الزيت ألماني الصنع ، فمرت عليها 12 عام ، يقوم الطلاب من الصف الثالث بالتدريب المعلوماتي فقط ، وبلصف الرابع دراسة وتصميم ، والصف الخامس إنتاج ، وتنتج ماكينة خراط التحكم بالكمبيوتر جميع قطع غيار السيارات من الخرط بكافة أشكالة والألوظ وكافة الجلب ومسمار دائري ولها 8 عمليات تقوم بها بدقة شديدة ، عن طريق إدخال البيانات علي الكمبيوتر ثم التصنيع والإنتاج .
تدرب عليها حتي الأن 220 طالب في العام الواحد بإجمالي 2690 طالب منذ حضورها للمدرسة ، وبلغ عدد المدرسين 300 مدرس تم تدريبهم ، بجانب 20 موجه ، وتذكر كما قلت بأنها هي الوحدة الأولي في الدقهلية ، والله نحن قادرين لأننا نتمتع بالتاريخ ، ومن له تاريخ قادر علي تحقيق المستحيل . 
الدراما المصرية .. حقيقية مش خيال
وأثناء حواري مع الماكينة تقدم أحد الطلاب في صمت ليقف بجوار المخرطة لينظر تجاهي وترتسم علي ملامحة السعادة ، وكأنه يسمع حواري ، فقالت المخرطة سريعا لي تعرف مين ده ؟.. هقولك ده الطالب عبد الله إبراهيم عبد الله طالب بالصف الأول وحضر هنا بجوارنا لرغبته بالتعرف عليك ، وطلبت منه الحضور للحديث معك .
وقام الطالب مسرعا بمد يديه ليسلم علي ، وتحمل تعبرات وجهه التفاؤل مرحبا بي قائلا " أنا الطالب عبد الله بالصف الأول قسم السيارات والحاصل علي مجموع درجات 273 بالشهادة الإعدادية .
قمت متلهفا بمقاطعته ، ليحمل سؤالي الدهشة قائلا للتأكد من الرقم 273 درجة بالإعدادي يعني من الأوائل والمتفوقين ؟ قال بهدوء شيديد نعم ولم أنت مندهش .. وإستطرد قائلا ..قهولك أنا الإبن الأكبر لوالدي الذي يعمل مدرس لغة إنجليزيه ، وعند حصولي علي هذا المجموع ذهبت لوالديوطلبت منه الإلتحاق بأعرق المدارس الفنية بالمنصورة ، فهو يعرف جيدا أنني أعشق مهارة الفك والتركيب منذ نعومه أظافري ، ثم هواني العمل مع اعمامي بورش الميكانيكا ، وفي وقت الصيف احقق زاتي في فك وتركيب مواتير ماكينات السيارات ، وحينها أيقنت أن يجب علي إثقال وتعلم ما أحب لكي أعمل ما أحب .
فلم يعترض والدي علي رغبتي ولكن قال لي أنا داعم لك ولموهبتك ، تعلم وعلم ،   فضحكت لوالدي قائلا ( أنا أعمامي ألعلموني .. وأنا عاوز أبقي عمهم في العلم والمهنة ).
قدرتي علي المذاكرة والحفظ ضعيفه ، والفهم في المقام الأول ، وحابب أسخر قدراتي فيما أعشق كي أتميز .. لذلك أنا هنا ، وحرصت أن أقابلك لكي أحملك رسالة للجميع ( أخدم ودرب مهاراتك وطوعها حسب إمكانياتك _ بحلم بعمل مشروع كبير يضم ورشة إصلاح وتصنيع _ أو السفر خارج مصر ، صدقني الدراما المصرية حقيقة مش خيال ) . وكل قصص الكفاح هي واقع غلنا عنه .
 وقبل مغادرتي بقسم الماكينات طالب مني الطالب عبد الله اليوم هو يوم الإحتفال فطلاب الفرقة الإعدادي بكلية الهندسة هنا اليوم يحتفلون معنا في مدرستهم التي تخرجوا منها .. ( رسالة للمستقبل .. أننا ما زلنا قادرون  علي تحقيق ما فقدناه في الماضي .
وبعد خروجي من قسم الماكينات أيقنت أن شروعية الحلم أوقع لتحقيق ، بل وربما تكون أحد الطرق المستخدمة لتحقيق الهدف المنشود هو تجسيد الواقع كي يمتزج بالخيال .
وقبل أن أختم زيارتي قمت برصد طلاب كلية الهندسة يجتمعون مع مسئولي المدرسة ومعلميها الكل تحمله بساط الأمل وإشراقة المستقبل ، ثم طالبت بمشاهدة الميداليات التي حصلت عليها المدرسة ، وكأنها شاهد علي التاريخ ، بالفعل نحن قادرون .