ملفات وحوارات

في حوار خارج الصندوق مع الواء طارق عوض

وزارة الثقافة ينبغي أن تتحول إلي مورد اقتصادي للدولة


حاوره محمد القصبي ..
4/11/2018 5:53:30 PM


رجال الأعمال ينبغي أن يكونوا شركاء وليس فقط رعاة في التنمية الثقافية

رؤية 2030 تضع الثقافة  في مواجهة معادلة صعبة ..

كيف تصل الخدمة الثقافية لكل مواطن دون أي عبء مادي على الدولة

ألاف النسخ من كتب وزارة الثقافة تلقى في المخازن لافتقاد النشر لرؤية تسويقية

142 مليار جنيه ..صادرات أمريكا الثقافية لدول العالم سنويا

صناعة الثقافة في بلادنا تفتقد إلى أهم ركيزة ..التسويق



هل يبدو حوار صحفي حول الشان الثقافي مع اللواء طارق عوض مغامرة صحفية غير مضمونة ؟
حين طرحت الأمر على بعض الأصدقاء كانت إجابتهم  : مغامرة لاتتجاوز نسبة النجاح فيها عن 1%

 حجتهم أن..اللواء طارق  وكيل وزارة الثقافة بالمجلس الأعلى للثقافة عوض ليس منتجا للثقافة ..كثروت عكاشة أو فاروق حسني أو حلمي النمنم أو د. إيناس عبد الدايم ..نعم ..يعمل في المؤسسة الثقافية الرسمية منذ اربع سنوات ..بدءا في الهيئة العامة للكتاب ، والآن في المجلس الأعلى للثقافة ، لكن في مواقع إدا – مالية ..

لكني راهنت على ال 1% ، وأجريت الحوار ..ربما حفزني على ذلك  أحاديثنا  شبه اليومية عبر صداقتنا الممتدة لأكثر من ثلاث سنوات ..فدوما لدى اللواء طارق عوض الحاصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية من رئيس الجمهورية  ما يستحق الانصات له ..ليس لإصلاح أوجه العوار في المؤسسة الثقافية ، بل إعادة هيكلتها بالكامل ..نعم الرجل من خارج الصندوق ، خارج الدائرة .. لكني

أرى أن رؤيته  أكثر دقة من رؤية الكثيرين ممن هم في داخل الدائرة ، وقد يتكيء ذلك على سند موضوعي ، فعادة الغارق في مشكلة ما قد يضل طريقه إلى الرؤية الصحيحة للجذور والأبعاد والحلول ، ويزداد تيها إن زنزن رؤيته في شرنقة طموحه الشخصي جدا ، كرسي .. جائزة.. بينما الراصد من خارج الدائرة قد يملك عينا لاتخطيء عن أوجه العوار والصواب .

وألا نلحظ هذا ..ظاهرة آخذة في الانتشارعالميا ...أن يأتوا من خارج الدائرة بمن يرأس الدائرة ؟ ..الآن ثمة 17سيدة يقدن بنجاح المؤسسات العسكرية كوزيرات دفاع في بلدانهن .. منهن متخصصات في القانون وفي الأدب الحديث مثل روبرتا بينوتي وزيرة الدفاع الإيطالية
وقائع كثيرة استندت عليها لتقوية خيار ال 1% ..أعني الحديث مع اللواء طارق عوض في حوار صحفي حول همومنا الثقافية ، وكيفية معالجتها ..


بدءا ذكرته بمؤتمر كمواطن عقدت عليه آمالا كبرى ..لكن كالعادة ..المؤتمر انتهى بخذلاني ..مؤتمر إداراة الثقافة وثقافة الإدارة الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة في مطلع العام الماضي ، إلا أن أحد رجال الأعمال الذي على ما يبدو تحمل نفقات المؤتمر استغله ل" تلميعه "..

فقال اللواء طارق عوض :

-لاأحبذ الثنائيات المتضادة بحدة ..أبيض ..أسود ..وأخشى ان يفهم من حديثك أن الثقافة شأن فقط حكومي ،وأن السماح لرجال الأعمال بالخوض في هذا الحقل خيانة وطنية ، في مقابل من يرون ضرورة إتاحة الفرصة الكاملة أمام رجال الأعمال ليقودوا الشأن الثقافي مع تهميش شبه كلي للمؤسسة الرسمية ..المسألة لاينبغي أن نتناولها بهذا الأسلوب المتشنج .. الإدارة العلمية للثقافة تتطلب توظيف ماهو متاح في الدولة المصرية من إمكانيات في ظل ضوابط تحول دون أن نحيد عن الهدف المأمول ،و أعني به بناء العقل الجمعي المصري على أسس فكرية مستنيرة ..أسس تؤدي إلى شيوع الإيجابية و الروح الانتاجية وقيم التسامح والاعتدال والعدل والشفافية ، ورجال الأعمال بما يملكونه من طاقة مادية وتنظيمية يمكن ان يلعبوا دورا في تحقيق هذا الهدف  المنشود كشركاء ،وهذا مانصت عليه استراتيجية التنمية المستدامة أن يكونوا شركاء في تحقيق أهدافنا الثقافية..على ان يتم ذلك في إطار ضوابط تحول دون حدوث اي انحرافات ..أو تتحول الوزارة إلى منصات للترويج لهذا أو ذاك

      الثقافة سلعة مربحة

***هذا يدفعني إلى التطرق لقضية تشغلني وتشغل الكثيرين منذ سنوات ..تحويل المؤسسة الثقافية إلى وحدة اقتصادية مربحة ، بما يجعلها مصدرا للدخل القومي وليست عبئا على خزانة الدولة ..هل هذا ممكن ؟

-بل  هذا ما ينبغي أن يكون ، ودعني ألفت انتباهك إلى أن حجم التجارة العالمية من السلع والخدمات الثقافية سنوياُ حوالي640 مليار دولار تستحوز امريكا وحدها ب 142 مليارا بشكل يفوق صادراتها من السلع والخدمات في مجال الزراعة والطيران


 نشاط خدمي


*** وكيف يتم ذلك ..أن نجعل للثقافة المصرية خطوط انتاج تغمر سلعها أسواق العالم ؟

 بداية أود أن أشير الى ان الانشطة الاقتصادية تنقسم الى نوعين  ،سلع وخدمات ، السلع تشمل منتجات زراعية ، التعدين والصناعات التحويلية والبناء ، حيث نجد في هذه الحقول منتجا ماديا ملموسا ، أما الخدمات فتشمل  الاتصالات ،الخدمات المصرفية والهندسية وبرمجة الحاسب  ،هذه الخدمات تقع تحت مسمى خدمات تهدف للربح ، أما الخدمات الحكومية ،فهى لاتهدف للربح مثل التعليم والأمن والصحة ،ومن هنا نستطيع ان نحدد صناعة الثقافة تقع تحت أى مسمى وفى تقديرى أنها خدمات لاتهدف للربح ، ولكن يجب الا تحمل ميزانية الدولة  أية أعباء .

فالثقافة كما نعرف مركب من المعرفة والفنون والعادات والتقاليد والقيم والصفات المكتسبة والتاريخ البشرى المتراكم ، وهي خدمات ينبغي أن تقدم لكل فئات المجتمع ، المهم ألا تتحمل ميزانية الدولة أى أعباء سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة وهذا يتماشى مع توجهات الدولة فى رؤية مصر 2030 ،حيث أشارت إلى أثر الخدمات الثقافية على الاقتصاد القومى .

 معادلة صعبة

***على ما يبدو أننا في مواجهة معادلة صعبة ..حتمية أن تصل الخدمات الثقافية إلى كل المواطنين  دون أن نحمل خزانة الدولة مليما واحدا

 نعم ..فالأمر ليس بالسهل ، إلا أنه ليس مستحيلا ، ويمكن تحقيق هذه المعادلة من خلال إدارة قوية وتحظى برؤية شمولية وغير تقليدية ، وتسعى إلى حلول من خارج الصندوق من خلال اقتراح أنظمة تحول الثقافة إلى نشاط مجد اقتصاديا ،وهذا يقع على عاتق رؤساء الهيئات وقطاعات الثقافة ،ليس ذلك فحسب ولكنه أيضا مسئولية كافة الوزارات التى تلعب دورا فى ثقافة المجتمع مثل الشباب والرياضة ـ التعليم ـ السياحة ـ مصر للطيران ،علينا استغلال المنتج الثقافى كوسيلة للدعاية لمعلنين ،كأغلفة الكتب مثلا ، أيضا البحث عن رعاة للمعارض ، والحفلات وغيرها من الأنشطة ،رجل الأعمال ينبغي ان يقوم بدوره كشريك في عملية التنمية الثقافية ، وهذا في حاجة إلى دمج المنتجات الثقافية باقتصاد الدولة .

     مشكلة تسويق

** لكن لاأظن أن الدمج يكفي إن لم نواجه واحدة من أكثر المشاكل التي يعانيها الاقتصاد المصري في كافة ميادينه ..التسويق الجيد للمنتج .

-        هذه القضية تشغلني كثيرا ،فالتسويق في مصر بالفعل مشكلة كبيره وتعاني منها كل ميادين الانتاج ،وخلال عملي في مدينة العاشر من رمضان لمست مشكلة التسويق عن قرب ولاحظت اعتماد الشركات كبري علي خبراء تسويق أجانب ،وكانت المفاجأه 0

ان اغلبهم من الهند ، وهذا ما لمسته ايضاٌ في دول الخليج والسوال : لماذا الهنود ؟ فكانت الاجابة لأنهم يتحدثون لغات عالمية خاصة الانجليزية بطلاقة : كما أنهم على دراية واسعة وعميقة بعلوم التسويق  ، وتطبيقها عمليا ،

ومن خلال خبرتي السابقه لاحظت ايضاٌ نقطه هامة وهي ان الانتاج  ينبغي أن يراعي متطلبات المستهلك ،ففي إحدى الشركات الشهيرة في صناعة السجاد ،وهي شركة تجيد التسويق لاحظت أن مدير التسويق المحلي في جنوب الصعيد مثلا ، يطلب من شركته صناعة سجادة بخامة والوان وتصميم معين هو الذي اقترحه ،حيث يرى أن سجادة بتلك المواصفات ستجد إقبالا من أهالي المنطقة التي تقع تحت إشرافه تسويقيا ، بينما لاتجد هذا الإقبال في مناطق أخرى مثل القاهرة أو الأسكندرية أو أي منطقة حضرية أو خارج مصر ،وبالفعل تجد السجادة بهذه المواصفات إقبالا كبيرا من المستهلكين في تلك المنطقة ..


            غير موجود

*** وماذا عن تسويق المنتج الثقافي ؟

- هذه مشكلة تعاني منها الوزارة ..في لجان النشر مثلا لاتتم مراعاة جانب التسويق للكتب ،حيث لايجري اختيار الكتب التي سيتم طباعتها بناء على رؤية تسويقية  ، وأيضا لايتم تحديد منافذ البيع بناء على طبيعة الكتاب الذي يطبع، حيث يطرح الكتاب في كافة المنافذ دون مراعاة لاذواق القراء المختلفين حسب عاداتهم وتقاليدهم والنتيجة الحتمية امتلاء المخازن بالعديد من الاصدارات ، مما يتطلب إعادة طرها بأسعار اقل من سعر التكلفة تحت مسمي الكتب المخفضة  ، واعتقد ان هذا الامر يسير على كافة المنتجات الثقافية في الوزارة .


*** مسئولية من غياب تلك الرؤية التسويقية


-المسئولية هنا تهدر فيما بين لجنة النشر وادارة التسويق والتوزيع ، والنتيجة خسائر فادحة ..لذا اري اهمية ربط الانتاج بالتسويق بحيث يكون لإدارة التسويق ومنافذ البيع رأي في اختيار المنتج وتحديد اماكن توزيعه ، ليتحملا المسئولية الكامله عن هذا المنتج ومن ثم  ضرورة المحاسبة في حالة عدم تحقيق المستهدف .


          قوانا الناعمة


*** كما نعرف .. الخبير الاستراتيجي الأمريكي صمويل أناي انتبه في مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى أهمية ما أسماه بالقوى الناعمة ،ومن بينها التأثير الثقافي في كسب الآخر ..لكن ما أخشاه أن يأتي سلعنة الثقافة ..أقصد تحويل المنتج الثقافي إلى سلعة ذات جدوى اقتصادية  على حساب انتشارها وبالتالي يحد من تأثيرها كقوى ناعمة .. ؟

-  بالطبع لا .. الثقافة الأمريكية سلعة ..وكما قلت  تدر على الخزانة الأمريكية 142مليار دولار سنويا ، وتأثيرها بالغ في استلاب العقل الجمعي العالمي ..

فمع عصر القرية الكوكبية وارتفاع تكلفة القوة الصلبة .. العسكرية و السياسية والاقتصادية والبشرية لتحقيق القوة العسكرية  ظهرت اهمية اللجوء الي الاستثمار علي عوامل غير مادية لها تأثيرها القوي في الهيمنة الفكرية والعاطفية ،مما يكون له تأثيره في توجيه صناعة القرار لدى الآخر لصالحك0

ودعنا نتذكر  في هذا الشأن دور القوة الثقافية الناعمة في تفكيك الاتحاد السوفيتي عندما غزت امريكا دول الاتحاد من خلال السجائر المارلبورو والبنطلونات الجينز وتأثر المجتمعات السوفيتيتة بالقيم الامريكية عبر سينما هوليوود وغيرها ، الأمر الذي أدى في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفييتي ،بل أن سلاح القوى الناعمة وظفه الاتحاد السوفييتي نفسه وباقتدار خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي عبر نشر افكاره السياسية والاقتصادية كحركة داعمة للحركات اليسارية من خلال الترويج للفنون والموسيقي والسينما وحديثا ُعندما قامت ثورات  الربيع العربي  بدعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي ونجحت في حشد الملايين لتحقيق اهدافها 0

ومن هنا أري ان الثقافة يجب ان تلعب دورها الحيوي من خلال الجذب والابهار وعبر حزمة برامج تهدف إلى نشر القيم والثقافة المصرية والعربية  توظف شبكات التواصل الاجتماعي بالتعاون مع المجتمع المدني من خلال حزمة برامج تهدف الي نشر واشاعة القيم والانظمة الايديولوجية الوطنية ..وتحويل الثقافة إلى سلعة ذات عائد مادي لن يقلل أبدا من تسويقها إن نجحت في توفير عناصر الإبهار في تسويقها ..

وأقترح في هذا الشأن تشكيل لجنة تابعه للمجلس الاعلى للثقافة تضم عناصر شابه واعده يتم تاهيلها ليعرفوا مفهوم الثقافة الشاملة واهدافها ودورها كقوة ناعمة ، بحيث يتاح لأعضاء هذه اللجنة مناخا من الحرية الكاملة ليتمكنوا من ممارسة عملهم ، مع تغذية اللجنة بكل ما تحتاجه من معلومات تتعلق بصلب عملها .

***هل تتذكر ..لقاؤنا الأول كان عبر صديق مشترك في معرض القاهرة الدولي للكتاب منذ عدة سنوات .. وجدتك مهموما للغاية بالمعرض ،وكان هذا حالك خلال الأعوام التالية ،وفي كل حواراتنا بعد ذلك كنت أشعر بعدم رضاك ..رغم أن تصريحات المسئولين عقب كل دورة تؤكد ان كله تمام ، وفي الحقيقة ان تصريحاتهم تتضارب مع رؤية الكثيرين أن المعرض ضجيج بلاطحن !

- اعتقد ان تصريحات المسئولين عن نتائج معرض القاهرة للكتاب في دورته (49) تعبر عما وصل اليه  من اهمية ،ويبقي السؤال من وجهة نظر اقتصادية طبقاُ لاهداف التنمية المستدامة : ما هي المصروفات والايرادات – وحجم المبيعات من الكتب  في المعرض مقارنة بعدد الزوار ؟ ام انها مجرد نزهه برسم دخول يعادل ثمن رغيف خبز ؟
المعرض في النهاية نشاط ثقافي ينبغي ان ينظر له من منظور الجدوى الاقتصادية .
لكن  وبمناسبة الحديث عن معرض الكتاب وحجم الانفاق والايرادات اسمح لي ان اثمن جهود مسئولي هيئة الكتاب وقطاعات الوزارة  في دورة العام الحالي وفي كل دوراته السابقه  من حيث تنظيم هذا الكم الكبير  من  الندوات والانشطة الثقافية المنفذه على هامش المعرض ، وآمل ان تتوج هذه الجهود في نهاية كل دورة بإصدار كتاب يضم الحوارات والمناقشات التي شهدتها ندوات المعرض، حتي يكون امام المثقف والقارئ وطلاب العلم والباحثين مادة علمية موثقة من مصدرها يمكن الاستشهاد بها والرجوع اليها ، كما هو الحال في الندوات والمؤتمرات التي ينظمها المجلس الاعلي للشئون الاسلامية .