كتاب واراء

الحرية التي لا تجلب الفوضي


بقلم : خالد الشناوي
1/30/2019 9:13:21 PM

لما كانت الحرية قدرة على ممارسة الحق، فإن العلاقة جدلية بينهما، فالحرية قد تُولد حقًا من الحقوق –بالمعنى الاصطلاحي- وإذا وقع اعتداء على هذا الحق فإنه بالضرورة قد يقع على هذه الحرية. فالحريات رُخص أو مباحات وهي ثوابت يعترف بها القانون دون أن تكون محلًا للاختصاص الحاجز، إلا أنها تُولد حقًا قانونيًا إذا اعتدى عليها وطبقًا لهذا يتشابه الحق مع الحرية. فالاعتراف بالكرامة المتأصلة لدى الأسرة البشرية وبحقوقها المتساوية الثابتة يُعتبر ركيزة أساسية للحرية والعدل وتحقيق السلام في العالم.
وإن ازدراء أو التغاضي وإغفال حقوق الإنسان، لهو أمر يُفضي إلى كوارث ضد الإنسانية، وأعمال همجية، آذت وخلّفت جروحًا وشروخًا عميقة في الضمير الإنساني. ولهذا فإنه من الضروري والواجب أن يتولى القانون والتشريعات الدولية والوطنية، حماية حقوق الإنسان. ولكي لا يشهد العالم والإنسانية مزيدًا من الكوارث ضد حقوق الإنسان و الضمير الإنساني. وإذا كانت الحريات مصانة في كل الأعراف والدساتير فإنها لا شك مقيدة بعدم الإضرار(أنت حر ما لم تضر)، وتطبيقًا لقاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
قضيتنا الكبرى، كمجتمعات محافظة، تكمن في التوجس والخيفة وتقديم سوء الظن من كل جديد بينما الواثق الحر يدعو للتجديد والانفتاح.. يعرّف مونتسكيو الحرية بفعل كل ما لا يضير غيرك، لا شك أننا مازلنا نعيش ضبابية مفهوم الكلمة وأحيانًا التوجس من مفردة »الحرية« علاوةً على الوقوف ندًا أمام بعض الأعمال أو المشاريع التي قد تصب نحو تحقيق الحرية الشخصية وبناء الوطن والخروج به من عنق الزجاجة وفخ المتآمرين على أمنه القومي وسلامة أراضيه. الحرية استقلالية في التفكير والتصرف واتخاذ القرار وغياب الإكراه الفكري والسلوكي، فالإنسان المكره على عمل الخير لا يُمدح بفعله لذلك الخير لأنه مكره عليه وليس مختاراً، والمكره على الفعل السيئ لا يُؤاخذ بجريرته تلك لأنه مرغم عليه، وحين يُفرض على المجتمع شيء فلا يتميز فيه الصادق من غيره.
المراد بالحرية هنا الحرية الفردية المقننة وغير المنفلتة، حيث لا إفراط ولا تفريط، فالإفراط في الحرية يبعث على الدمار والخراب، والتفريط فيها باعث على العبودية وثقافة القطيع، وفي هذا يقول الفيلسوف برتراند راسل: (كثير من الحرية يجلب الفوضى، وقليل منها يجلب الركود). فالحرية لا تعني التخريب والفوضى والهمجية بل تعني البناء وارتفاع صوت الفكر لقيام الأوطان ونهضتها.. وكل ما غير ذلك من قتل وإرهاب وتفجير فهو من الشيطان.
عاشت بعض البلاد العربية حالة من الحرية لم تشهدنا من قبل، خاصة بعد ثورات الربيع العربي، ولكن للأسف رأينا البعض عبَّر عن حريته بفوضى عاشت فيها البلاد واشتكى منها العباد، وانتشرت حرية التعبير والفكر وإجازة السب والشتم والتجريح للمخالفين، بل والاعتداء على الأبرياء، وإيذاء الآمنين، وانتشرت الفوضى والجرأة باسم الحرية في نشر كل ما يُخالف عقائد المجتمع، ويُصادم المعتقدات، ومع انتشار كتابة كلمات خادشة للحياء على الحوائط، بل ونشرها في بعض وسائل الإعلام، وحدوث حالة غريبة من الفوضى في الشوارع و الطرقات، تمثلت في رفع أصوات الغناء والموسيقى وعلو مكبرات الصوت، وإقامة الحفلات وإطلاق الألعاب والأعيرة النارية المرعبة بكثافة، وانتشرت الفوضى أيضًا في عدم احترام قواعد المرور من الأفراد، وفوضى أكثر من السيارات التي تسير عكس الاتجاه، أو تمشي بسرعة عالية مخالفة للمسموح، وفوضى في تعطيل الطرق، وسد الشوارع بسبب افتراش الباعة الجائلين للشوارع، وتعطيل المواصلات للتظاهر أو الإضراب، وتعطيل الأعمال وعرقلة المصالح. كل هذه بعض مظاهر الفوضى التي أُريد بها إفساد الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد حتى اختلط على البعض الفرق بين الحرية والفوضى. الحرية شىء رائع، فرائع أن تشعر أنك حر، تستطيع أن تقول ما تشاء، وتذهب أينما تشاء، حر ما لم تضر، لا ظالم تخاف منه، إرادتك غير مسحوقة، وبالطبع كل هذا بضوابطه الشرعية.