كتاب واراء

سيدنا الحسين وآل البيت الكرام


بقلم : خالد الشناوي
12/28/2018 6:36:47 PM

أهل البيت ذلك العنوان المضيء، والمجد الخالد، والاسم المحبب لكل نفس أحبّت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وآمنت به وسارت على هداه، فقد عرف المسلمون هذا العنوان الشامخ في سماء التاريخ، والمجد المتألّق في أفق القرآن الكريم، منذ أن نطق الوحي بهذه التسمية المباركة : (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) (الأحزاب: 33).
الحديث عن أهل البيت هو مقام لا يرقى إليه إنسان مهما بلغ من العلم شأوه، أو من المعرفة مداها.. فهم سر من أسرار الوجود أودعه الله في البشرية ليقوم به عماد الحق بين خلقه، وتستضيء به أرواح الناس في آفاق الفكر والتبصر.. فمثلهم في غذاء الروح، كمثل رقائق النسيم في حياة الجسد.. فيها الغناء الذي يحس ولا يرى، ويستشعر ولا يشاهد.
وهم أهل العلم وحماته قبل غيرهم، اصطفاء من الله قبل أن يكون اجتهاداً من عند أنفسهم.. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.. ومودتهم إنّما هي للأخذ لا للعطاء، والتعلم لا التعليم.. فكان بذلك آل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) امتداداً لحفظ دين الله بين عباده.. وكان العلماء على مدى الزمن عالة على علم أهل البيت (عليهم السلام)، والقرآن الكريم مصدر الفكر، ومنبع التشريع والقيم، وما جاء به القرآن فهو وحي منزل وكلام إلهي مقدّس، يصوغ نظام الحياة، ويشخص قوانينها، وكل مسلم يعلم أنّ ما جاء به القرآن هو شريعته ورسالته في الحياة، وهو ملزم بالعمل به والسير على هداه، وقد تحدّث القرآن عن أهل البيت الكرام مستعملًا الأساليب التالية: التصريح باسمهم الاصطلاحي الذي اصطلح عليه القرآن فهو تارة يسميهم »أهل البيت« كما في آية التطهير، وتارة يسميهم «القربى» كما في آية المودّة، وبذا نزلت آيات كثيرة وضحتها السُنّة النبوية، وبيّنتها للأُمّة في حينها، ورواها المفسّرون والرواة في كتبهم وموسوعاتهم، وتسجيل أحداث ووقائع تخص أهل البيت (عليهم السلام) ونزول آيات كثيرة تتحدث عن فضلهم ومقامهم وتثني عليهم، وتوجّه الاُمّة نحوهم، مجتمعين تارة كما في آية المباهلة، وآية الإطعام في سورة الدهر وغيرها، ومتفرقين كما في آية الولاية: (إنّما ولّيكم الله ورسوله والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (المائدة: 55).
لقد بدأ ذلك الفصل المضيء من التخطيط النبوي ـ بأمر الله سبحانه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بتزويجه السيّدة فاطمة للإمام عليّ، وغرس هذه الشجرة المباركة لتمتد فروعها في آفاق هذه الأُمّة عبر مسيرة تاريخها.. قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام عليّ حين زوّجه السيّدة فاطمة: «إن الله أمرني أن أُزوّجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت بذلك، فقال: قد رضيت يا رسول الله» قال أنس بن مالك: فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «جمع الله شملكما، وأسعد جدّكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيراً طيّباً» قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيّب. (محب الدين الطبري، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، ص 30). عزم الحسين(عليه السلام) على أن يقلم أظفار الباطل ويرفع كلمة الله فلم يجد الى ذلك سبيلاً إلا أن يقذف بنفسه في مشارع الشهادة ليقدم للدنيا من نفسه مثلاً فذاً للتضحية بالنفس حين توصد أبواب الإصلاح الآمن طريقها، كان (عليه السلام) قوياً على الأحداث لا يهن ولا يستكين، بعيد النظر الى ما وراء هذه الدنيا وأشيائها وأهوائها، يسمع نداء الحق بين أخباء نفسه فيستجيب للنداء مستصغراً شأن الحياة مستصغراً شأن الموت غير ناظر الى شيء إلا الحق الذي امتزج بلحمه ودمه، يرى أنصاره يتخطفهم الموت، ويستنـزل منهم الى الأرض كل ساعة فارساً صنديداً، قد صدق اللقاء وأحسن البلاء حتى أثخن فخر عن صهوة جواده مضمخاً بدمائه، ويرى حرمه يتفجعن ويتصايحن مذعورات مشفقات مما يستقبل سيدهن من الموت –وهو الوزر الذي يلجأ اليه- ومما يستقبلهن من السبي والتشريد وهن عقائل النبوة وحرائر الرسالة، ينظر عليه السلام كل ذلك وهو يتلوى من شدة الصدى ويقاسي من حر الظمأ ما لا يكون معه بال حاضر، ولكن الحسين حاضر البال جميع الرأي رابط الجأش تزول الجبال ولا يزول يلين الحديد ولا يلين، يستجيب لهذا الصوت الإلهي الذي يستصديه على أئمة الضلال وأتباعهم فيشد عليهم فإذا هم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لقد عاش عليه السلام حراً، ومات حراً، وترك للأجيال تاريخاً هو ملء الدنيا نوراً وملؤها عطراً.. وقف الحسين عليه السلام في كربلاء وقد أحاطت به الجموع من كل جانب يريدون النيل منه وقتله، فقال بعد الثناء على الله والصلاة على رسوله: أيها الناس اعلموا أنه ليس بين مشرق الأرض ومغربها ابن بنت نبي غيري فأنا آخر الأسباط.. معركة شرسة تجلى فيها الحق بأزهى صوره وقدم فيها الحسين السبط وأصحابه وأبناؤه وبنو أبيه أعظم التضحيات بمواقف تجلت بها البطولة والتضحية والفداء والنبل، بينما تجلت الخسة والدناءة واللؤم بجيش ابن زياد، فتحول هؤلاء الى وحوش ضارية ولم ينج من بطشهم ووحشيتهم حتى الطفل الرضيع، لتبقى معركة كربلاء نبراسًا للشهامة والإباء والتضحية في سبيل المبدأ، حتى قال أحد شعرائهم يفتخر بها: لولا لم تكن جمعت كل العلا فينا.. لكان موقف يوم الطف يكفينا.. جاءوا بسبعين ألفًا سل بقيتهم..هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا.. وامتدت هذه الثورة وتجذرت في وجدان المسلمين، حتى صارت مثالًا يحتذى وخارطة طريق لكل من يرفض الذل ويأبى الضيم والظلم والاضطهاد، وتمر الأيام فيحاصر عبدالملك بن مروان مصعب بن الزبير وكانت بينهما صداقة وعيش مشترك في شبابهما، فعز على عبدالملك أن يقتل مصعب بن الزبير فعرض عليه الاستسلام ولكنه رفض ذلك العرض حين مرت بخاطره موقعة كربلاء، وكان زوجًا لسكينة بنت الحسين، وما أن عزم على القتال حتى تعلقت بأذياله تناشده ألا يفعل فقال لها: دعيني يا ابنة الحسين فلن يترك أبوك لابنة حرة عذرًا، وأنشد يقول وهو متجه الى المعركة: وأنا الأولى بالطف من آل هاشم.. تأسوا فسنوا للكرام التأسيا.. فسلام على أبي الأحرار الحسين ابن علي وعلى المستشهدين بين يديه في يوم ذكراه العاشر من محرم وسلام على الذين مشوا على دربه فأصبحوا علامات بارزة على درب الشهادة والفداء.