ملفات وحوارات

عكس الاتجاه


الكاتب : صبري حنا
11/13/2017 1:07:25 PM



في براح الكون سعة للقلوب الحائرة، مغانم لا حصر لها، يكفي المرء أن يتقابل مع نفسِهِ ويتجاذب معها أطراف الحديث فيستريح، ويشعر أنه قد تحول إلى طيرٍ يحلق في الفضاء وسماء الكون، فارداً جناحيه تاركاً جسده المنهك تحمله النسمات وتداعبه فيشاركها الرقص والغناء، فتعود إليه أنفاسه محملة بعطر الحياة.. كنتُ ممتعضاً وغير مقتنع بتنفيذ وصية أبى الغريبة رحمة الله عليه، “بعد موتي يا ولدي أذهب إلى قريتنا في أقاصي صعيد مصر، وأتقابل مع شيخ عائلتنا وعميدها وأخبره فقط بأنك ابنى الوحيد، وقد أتيتَ إليه بحسب وصيتي، وأسمع منه يا ولدي ولا ترد له مطلباً”.. وصلتُ إلى قريتنا مع شروق الشمس، وكلما سألتُ أحداً عن شيخنا وكبيرنا أشار لي ناحية الشرق حيث مقابر القرية، في بادئ الأمر ظننت أنه قد ترك عالمنا ولكن أحدهم أخبرني أنه يقضي نهاره هناك.. وجدته وحيداً جالساً على حجر كبير، يسند ظهره على جذع شجرة عجوز يستظل بفروعها التي تلامس الأرض وبأوراقها الكثيفة. ألقيتُ عليه السلام وجلستُ بجواره حتى ألتقط أنفاسي.. بعد لحظات أبلغته بمضمون الوصية. لكن رهبة المكان وهيبة ووقار شيخنا جعلتني أجلسُ منكمشاً كالمقبل إلى حتفهِ وكأن قوة خفية تقودنى إلى المجهول، ومع ذلك رحتُ أنصتُ لكلامِه بكل خلية تنبض بالحياة في داخلى.. أشار لي شيخنا إلى أقرب مدفن من مجلسنا، وراح يسترجع ذكريات بدت لي أنها حزينة ومازالت تؤلمه، قائلاً: “هُنا يرقد ابني غانم منذ أكثر من أربعين عام”.. قلتُ بِلا تفكير: “أخبرتك يا كبيرنا أن اسمي غانم..!”.. وبصعوبة بالغة انطلقت من حنجرتهِ تلك العُبارة التى لن أنساها مهما طال بى العمر: “أباك من قتله يا غانم”.. أصاب الرعبُ قلبي، نهضتُ واقفاً في مكاني، فابتسم الرجل مهدئاً من روعي، ثم أمسك بذراعي بحنو وأجلسني ثانية، وأخذ يقصُ على مسامعي أغرب ما سمعته في حياتى: “أبوك في شبابه كان أرعناً وحاله شين، ومع ذلك كان الصاحب الوحيد لي وكنتُ أفتخر بعلمه وذكائهِ وتفوقه على أقرانه في قريتنا. وفي الليلة المشئومة كنتُ وهو نشارك في عُرس لإحدى فتيات القرية اليتيمات، الجميع يرقص بالعصا، والفرح يملأ القلوب، الكلُ يتباهى بسلاحه فيطلق أعيرته النارية بابتهاج حتى أصابت رصاصة أبيك رأس ابني غانم، وللتفرقة بيننا قال البعض أنه يقصد قتله، والبعض الآخر قال إنه لم يقصد قتله، وشجعني البعض على الأخذ بالثأر من أبيك، أو أترك لهم الأمر ليأخذوا بثأر ابني الوحيد.. لم أتهم أحداً بقتله بل تقبلتٌ العزاء فيه وأبيك جالساً بجواري يبكيه، وكنتُ قد اتفقت معه على أن يترك القرية بعد صلاة الفجر، من شِدة خوفي عليه وحتى لا يُصيبه أحداً بأذى أو بسوءٍ.. ولم ينقطع التواصل بيننا يا ولدي، وكنتُ أعلم أنك ستأتينني حتماً في يومٍ سيختاره هو، واليومُ قد صدق معي في وعدِّ..”قلتُ بكل هدوءٍ وبِلا تردد: “أنا لك يا شيخنا.. إما أن تقتلني بيدك وتريحني هُنا بجوار رفات غانم.. أو أن تكون أبٌ لي عوضاً عن أبي صديق عُمرك” ضحك الشيخُ كثيراً حتى أصابته نوبة سُعال خفيفة، ثم قال: “هي الثانية يا غانم وليطمئن قلبك.. أما عن الأولى فأنت من ستريحني هنا.. من أجل ذلك أطلق عليك أباك اسم غانم.. لتكون إبناً لى ووريثى الوحيد.. بحسب وصية ابني غانم الذي يزورني كثيراً في أحلامي.. هيَّا بنا.. دعني أستند على ذراعك حتى الدار لتتناول معي لقمة اشتقت إليها كثيراً ولأطلعك على كل أملاكي يا ولدي”.. ومضيتُ معه وأنا أشعرُ أنني أحلق في سماءٍ غريبة وعلى أرضٍ جديدة، أرانى فيها أمضى في عكس الاتجاه، أرضٌ كان يعرفَ مقدارها أبي رحمة الله عليه.