ملفات وحوارات

وسط نقد أدبي للمجموعة القصصية أجمعوا بـ تفوقها علي الخيال

"ستائر ملكية": تفتح عوالم التجريب والرؤي التفسيرية والقرآنية فى مجال القصة القصيرة


حسين الطيب
11/13/2017 1:03:24 PM


الناقدة هدى عطية: المجموعة حافلة بالاختلاف وبها منهجية صارمة وتخطيط واضح
الناقد حسام عقل: أعادت الاعتبار إلى قالب القصة الرمزية بحضورها الساطع المثير
عزة لبنه: غير تقليدية وقضاياها تمنح الأدب بقاءً وخلوداً للأبد



لم يجتمع المبدعون إلا من أجل إبداع حقيقى فكان لقاؤهم ينسج كلمات من ذهب لعرض ومناقشة مجموعة قصصية تحت عنوان ستائر ملكية للزميل صفوت ناصف نسجت حروفها بماء الذهب فخرجت لنا بإبداع متفوق على الخيال، حيث عقد ملتقى السرد العربي برئاسة الدكتور حسام عقل في ندوته المجموعة القصصية للكاتب الصحفى صفوت ناصف ناقشه فيها الدكتورة هدى عطية أستاذ النقد الأدبى بكلية الآداب عين شمس والناقد الدكتور حسام عقل الأستاذ بكلية التربية جامعة عين شمس، والناقد الدكتور عزت لبنه، بالإضافة إلى الاحتفال بالشاعر الكبير أحمد نفادى، حضر الندوة الكثير من المهتمين بالشأن الثقافي ورواد الملتقى،
أكدت الدكتورة هدى عطية أن “ستائر ملكية”، مجموعة قصصية حافلة بالاختلاف والتجريب؛ مما يجعلها تنتمي للحساسية الجديدة لخطاب القص. فإن التأمل في المكونات الفنية لهذه المجموعة يسفر عن نزوع واضح إلى الابتكار والإبداع والمغايرة، بوعي يتجاوز رتابة القوالب المعهودة في محاولة للحاق بركب الواقعية السحرية. فقد عمد القاص “صفوت ناصف” في نسيجه السردي إلى مزج الواقع بالفانتازيا بجميع أشكالها الممكنة: الحلم، والكابوس، والهذيان، والجنون، والغيبوبة..، وبهذه الأدوات فتح عوالم التجريب كما أن هناك مساحة بدء اختلقها صفوت لنفسه، هى نقطة الصفر المنهجى وليس العفوى. فثمة منهجية صارمة وتخطيط واضح في كل قصة بالمجموعة، تستهدف قارئا ديناميكيا يشارك ضمنا في بناء النص وصوغ روحه، إما بالاعتقاد، أو التخمين، أو استكمال ما لم يقال، أو سبك وحبك شبكة العلاقات السردية التي تبدو للوهلة الأولى متشظية.
وأضافت د.هدى أن الحدث في رأيها يتصدر جملة عناصر التجريب إذ ينبني على نحو ذهنيّ خاص. فبالرغم من اشتمال هذه المجموعة القصصية على شخصيات تعددت بتنوع القص نفسه، إلا أن ثمة صوتا أحاديّا يهيمن على الأحداث التي بدت وكأنها مونولوج طويل تتشابك فيه عدة موضوعات: فلسفية، وجودية، اجتماعية، ونفسية، معبرة في مجملها عن المذهب الفكري للقاص نفسه، مشيرة بقوة إلى ذهنية مبدعة يعتريها قلق جراء تحولات الواقع والأزمات الإنسانية المصيرية وأساليب التفكير فيها التي ينبغي ألا تتكئ على ثوابت بقدر مراجعتها عبر حوار مستمر للذات مع نفسها والعالم. هكذا ذهب صفوت ناصف، مسترسلاً فى السرد، والتخيل، ووصف الأفكار، والمشاعر، والذكريات، مكونا في النهاية لوحات قصصية الإنسان فيها هو الموتيفة الأساسية، حيث تتحرك عوالم السرد صوب جملة من الأحلام اليوتوبية مسائلة الوجود في كليته وفرديته. فبدءا من القصة الأولى “الطاهرة”، وحتى القصة الأخيرة “نزيف حي”، تنكشف ذهنية تناقش أسئلة وجودية بامتياز.
فيما قال الدكتور حسام عقل: تمثل المجموعة القصصية “ ستائر ملكية “ للمبدع صفوت ناصف إعادة طرح فني لـ(القصة الرمزية)، حيث تنتظم المجموعة القصصية بين دفتيها نحواً من سبعة عشر قصة قصيرة، متنوعة الطول والرؤى والمداخل الفنية، وإن هيمن على جلها قالب القصة الرمزية المكثفة، التي تفتح فضاءات رحيبة للتأويل وتنوع الرؤى التفسيرية والقرائية. أمعنت بعض القصص في تكثيف المعادلات الرمزية بدرجة من الإيغال الشديد، فيما أبقى بعض القصص الأخرى مزيداً من الخيوط الدالة للمتلقي. ففي قصة: “ الطاهرة “ _ مثالاً لا حصراً - طرح الراوي (بضمير الغائب) فكرة الإيمان الديني بطريقة مبتكرة، فالجميع يمضون نحو (الشمس)، بعضهم يعرف أنها صنيعة خالق قدير، وبعضهم يعبدها لذاتها وحين تسطع الشمس تذوب جلود من يعبدونها، ويشرق بالألق وجه من أخلصوا لخالقها وفي قصة (وحيد)، تجتاز المشاهد السردية اللاحقة عتبة الفانتازيا المثيرة، حيث يمرض الراوى ويبقى حبيس المستشفى، وفي الرقعة الفاصلة بين النوم واليقظة، يهيم الراوي برفيف الحلم العلوي في سبحات فضاء ملكوتي سماوي، حيث يشرب ماء سائغاً وينعم بالأطايب، قبل أن يفيق أمام ملاك يرتدي ثوباً أبيض (ممرضة) وتتبدد آخر أسوار الحلم. وقصة (الحارس ) تتألق رمزية الحلم حيث يتبدى دور (الجندي مفتول العضلات) (أيقونة العقل ورمزه) في الحيلولة بين المرأة وطفليها وبين أمواج السيارات المارقة المجنونة، حيث تعبر الأسرة نهر الطريق إلى الضفة الأخرى. وفي قصة (مزيج) تتألق فصوص الحكمة الصوفية المعتقة على نحو يذكرنا برفيف (ابن عربى) ولغته المكثفة فى (الأشواق المكية). وتصور القصة الميلاد التخليقي لليقين الإيماني في فضاء إلحادي، ينهزم أمام سطوع اليقين العقدى المتشكل بقوة من داخل زجاجة عطر، يجري إنضاجها في حاضنة شديدة البرودة. ويتناثر العطر في ذيل القصة معانقاً صوت الأذان. وفي قصة “ستائر ملكية“ يتعاظم الصراع بين المعمار الفني الكلاسيكي، وبين غوايات الحداثة الشعرية المنفلتة من عروض (الخليل)، ويتمثل رهان الحداثة وغوايتها في رمز (مريم) الملوحة بساقها تشع بالفتنة والغوايات. وتعالج قصة “فستان رمادى“ فكرة سرقة النصر الكبير من صاحبه الأصيل ليختطفه غير المستحقين، حيث اختطف المايسترو النصر النهائي للفرقة الموسيقية من عرق العازفين وجهدهم الدءوب! ولا بد من الإقرار بأن هذه المجموعة القصصية _ في المجمل _ قد أعادت الاعتبار إلى قالب القصة الرمزية بحضورها الساطع المثير.
وأكد الناقد الدكتور عزت لبنة أن المجموعة القصصية مجموعة غير تقليدية لكاتب غير تقليدي، فالكاتب متمكن من أدواته بشكل زائد عن المطلوب، يعي ما يكتب جيداً، يقصد إليه قصداً، ويعرف كيف يصل إلى هدفه، وعلى الرغم من أنه عادة ما يختار الطرق القصيرة المحفوفة بالمخاطر التي تتسم بالوعورة، ويترك الطرق الطويلة التي تتسم بالسهولة واليسر، فإنه يعرف كيف يتفادى العوائق التي تقابله.
وأضاف لبنة أنه بالنسبة للمجموعة فهي تأبى على الفهم الميسور والتفسير المباشر، ولا تسلم نفسها للقارئ العادي بسهولة، وإنما تختبئ دلالتها خلف أقنعة من الرمز والحلم وتكنيكات أخري، فكأنما تتوارى خلف ستائر ملكية تخفى وراءها كثيراً من الجمال، ولا يستطيع قارئها استكشاف هذا الجمال إلا بعد جهد جهيد، لكن الجمال الذي وراءها يستحق هذا الجهد، فالبطل في المجموعة هو الفكرة والحدث وقد وظف الكاتب عناصر القصة الأخرى لخدمة فكرته.
وأوضح لبنة أنه فيما يتعلق بالزمان والمكان لم يحددهما الكاتب في معظم القصص تسخير لهذين العنصرين لخدمة الفكرة والحدث أيضاً، إلا فيما ندر، ففي قصة علبة الملح حدد الزمان تحديدا نسبيا قبيل أذان المغرب في آخر أيام رمضان كبديل على طول فترة الاحتياج وشدته مع ربطه بفكرة القصة، وفى قصة مؤتمر حدد المكان وإن كان متعدداً محصوراً فى الكعبة المشرفة مقر الجريدة كبديل عن أن قداسة المكان لم تثن ضعاف النفوس عن الأخلاق الوضيعة وهو ما يخدم الحدث والفكرة معاً، وبقية القصص لم يحدد لها الزمان والمكان تركيزاً على الفكرة.
كما تحدث الدكتور عزت لبنة عما يتعلق بالقضايا المتضمنة موضحا أنه على الرغم من تحليق معظم القصص في جو من الرمز والحلم والخيال فإنها ترتكز بقدم راسخة على الأرض من خلال القضايا التي تضمنتها، فبعضها يتعلق بقضايا الحكمة الإلهية والعدل الإلهى كقصة “شيكولاتة/ المربع الأسود” وبعضها يتعلق بقضايا اجتماعية كقصة الطبيب التي تعالج قضايا الإرهاب والخلاف بين المسلمين وازدواجية الشخصيات بين الخير الظاهر والشر المختبئ، وقصة فرعون التي تتناول التعارض الظاهر بين الدين والتكنولوجيا، وقصة الطاهرة التي تعالج قضية تقديس الأضرحة والأولياء، وقصة فستان رمادي التي تتناول قضية المادية المفرطة التي تتغلب على المشاعر الصادقة، وكلها قضايا عامة تمنح الأدب بقاء وخلودا لأنها لا تختص بمكان أو زمان ولا مجتمع بعينه وهو ما يؤكد هلامية الزمان والمكان مرة أخرى.
واختتم لبنة بقوله تتفرد هذه المجموعة بالعديد من السمات والاعتماد على فطنة القارئ لاستكمالها وكأنما يدعو الكاتب القارئ إلى مشاركته في بناء القصة، بالإضافة إلى حل شفرة القصة عادة في آخر سطر فيها.
وقال الكاتب الصحفي صفوت ناصف المجموعة القصصية اتفقت ومشروعي الأدبى الذي يعد محورا لحياتي، والذي أدعو إليه كل المثقفين، ألا وهو الحداثة عبر التراث، فكثير من المبدعين يأخذهم قطار الحداثة نحو التغريب بعيداً عن العروبة، رغم أن الحضارة الأوروبية ذاتها مبنية على أنقاض الحضارة الإسلامية، فلدينا من التراث العربي المشرف الذي يجعلنا أن نحدّث فيه دون ونحن مرفوعى الرأس دون أن نتركه أو نهمله، موضحا أنه على مستوى القصيدة العربية الآنية هناك من يهملون التراث ويبنون حداثتهم على القطعية معه، وفى ذات الوقت ألوم الشعراء الأصوليين على توقفهم فى القصيدة الشعرية عند الشكل فقط، حيث تم اختزال القصيدة التراثية في الوزن الشعري، مع الإهمال للصورة الحداثية التى من الممكن أن تحدث طفرة حقيقية فيها، حتى أنها تتشابه في أجود صورها مع الإبداع الأموى أو العباسى.
وتساءل هل بعد قرن من الزمان أو قرنين حين يعود الباحثون في التراث إلى منتجنا هذا، هل يستطيعون تحديد الزمن الذي صدر فيه؟ مؤكداً أشك، فالباحث لن يجد ما يميز هذه القصائد عن غيرها، لأننا فقدنا الهوية، ويعمل معظم المبدعين حتى الآن إما على الاستيراد من الخارج عبر المدارس الأدبية المتعددة، أو أننا نعيش في الداخل القديم، لذلك أرجو أن نتفق على الحداثة العربية المستلهمة من التراث العربي المشرف دون البناء على القطيعة المعرفية معه.