ملفات وحوارات

محاجر حلوان.. تلفظ أنفاسها الأخيرة


تحقيق : نورا حسن - تصوير: أحمد الشيمي
3/18/2017 1:30:30 PM


تمد صناعة البناء بـ »95 % من المواد الخام«
محاجر حلوان في محنة،بعضها توقف والبعض يعمل جزئيا، ربما ثلاثة أيام في الأسبوع فقط، والكل يشكو، أصحاب المحاجر يشكون من تعنت المسئولين في تطبيق القانون، والعمال يشكون من الظروف القاسية التي يعملون في ظلها، وتدني الأجور، وغياب مظلة التأمينات الاجتماعية، والمسئولون يشكون بالمحافظة  أصحاب المحاجر من أنهم يحصلون على المواد الخام من المحاجر بالمخالفة للقانون. وبحثا عن الحقيقة طرقت «الأخبار المسائى» كل أبواب المحاجر «الـ15» التى تبعد عن مساكن حلوان بستة كيلومترات.. ويعمل بها آلاف العمال، ومنها يجري استخراج خامات الحجر الجيري والفرعوني وشرائح الجبانات والبازلت وكسر الجرانيت والرخام الأبيض ودرجات السلالم.. حيث تمد صناعة البناء بـ95 % من المواد الخام.


أصحاب المحاجر :« إحنا ولاد البطة السودة»
رشوان: لا يوجد لدينا عقود تثبت ملكيتنا  وإيقاف المحجر يتم بالتليفون!
عبد الغنى: الرسوم المفروضة على المحاجر تضاعفت 6 مرات
وبداية رحلة «الأخبار المسائى» في محاجر حلوان مع أصحابها.. حيث حاورتهم حول ماتواجهه صناعة المحاجر في تلك المنطقة من معاناة وكيفية مواجهتها.
والبداية مع رشوان نعمان صاحب محجر الذي قال: لدينا مشاكل عديدة اولها عدم وجود عقود تثبت ملكيتنا للمحاجر، فجميعها لدي مدير عام مشروع المحاجر، ومحجري أملكه منذ 4 سنوات، لكن ليس لدي ّما يثبت ملكيتي له، ثانيا: طبيعة المحجر غير متناسبة مع مساحته، حيث تتم محاسبتنا علي المساحة سنويا وليس علي المواد التي تنتج منه، فكثيرا ما يحدث ألا نجد مواد خام تستخدم في صناعة الحجر الجيري، ثالثا: يتم وقف المحجر بالتليفون دون اخطار بمستند رسمي يكون نصها “ألو المحجر بتاعك واقف لأن عليك مديونية300 جنيه”! ولما اسأله عن السبب يكون الرد”غرفة العمليات بلغتنا بوقف محجرك”.. طبعا الوقف ده بيعود عليا بخسارة وعلى العمال كمان، اللى عددهم 70 بيناولوا 200 عامل في النقلة الواحدة، يعنى النقلة الواحدة مش علي قد العمال الموجودة لأن أنا بصنع في الجبل، وابعتها شق الثعبان تتصنع مرة تانية بعدها تتحمل علي عربيات لتوصيلها للبنا عشان تتبنى، رابعا: بيحاسبونا على التكشيف ”الهوالك”، وعملت محضر برقم 13898 لوقف ده، ومفيش فايدة.
الحال واقف !
اتفق معه في الرأي مصطفي عبد الغني صاحب محجر شارحا طبيعة العمل في الجبل: عندي 70 عاملا بيناولوا 150 عاملا، يعني كل عامل بيعمل شغل اتنين أو تلاتة، لأ نهم بيقطعوا الأحجار وبعدين تنزل شق الثعبان تتصنع تاني وتتقطع وتروح للمحافظات، فيه عمال بتقطع وعمال بتحمل وأقل عامل بياخد 100 جنيه في اليوم والحال واقف ومفيش مكسب ومضطر ادفع اجور العمال لأنه لو ما أخدش أجرته تانى يوم ميجيش، اضطريت أقلل عدد العمال وكمان الأيام بقيت 4 أيام بدل 7 وفي محاجر بتشتغل 3 أيام بس، مضيفاً: إن ارتفاع سعر الدولار أثر علي العدة اللي بشتريها والجاز.
نريد نفس المعاملة
واستكمل أحمد عثمان مستأجر محجر: الخرائط اللي تخلص في أسبوع تقعد بالشهر عند المحافظة، وكمان بيحسبونا علي الهوالك ”التراب اللي بنطلعه وعلي المادة الجيرية” متسائلا: لماذا لا تتم معاملة أصحاب محاجر التبين مثل باقى المحافظات ويتم تطبيق اللائحة المطبقة في جميع محافظات الجمهورية؟1، فلا تتم محاسبتهم علي الهوالك.. شاكيا من توقف المحاجر دون أبدء أسباب مقنعة بحجة وجود مديونية عليها مع أن أصحابها لديهم رصيد”تأمين لا يقل عن 50 ألف جنيه” مدرج لديهم يغطي المديونية بكثير، وأعطى مثالا علي ذلك: ”لو عربية نازلة آخر النهار محملة نقطة التفتيش الخاصة بالكارتة يتم إبلاغها “فلان محجره موقوف” ويغرم العربية المحملة بالمادة الجيرية حتي بعد إيقاف المحجر من 300 إلى 600 جنيه ولو السواق مدفعش فوراً، يروح تانى يوم يدفعها في المحافظة غرامة عشوائية 3000 جنيه، المفروض بدفع رسوم 14% كل 3 شهور لو اتأخرت يتم إيقافي، وأدفع غرامة مع أن عندهم 50 ألف جنيه تأمين يعني لو عليا فلوس يخصمها من التأمين.
استلفت لأسدد الرسوم
استنكرعبد الكريم صاحب محجر زيادة التراخيص الأخيرة التي خضعت لها المحاجر قائلا: رسم المحجر ”إيجاره” كان 20 ألف جنيه في السنة زاد 6 أضعاف “120 ألفا” من 6 أشهر بسبب القانون الجديد، والله أنا مجيبتش المبلغ ده من ساعة ما رسمت من 6 شهور وما دخل جيبي جنيه واحد والمفروض إنى أكل واشرب وأدفع أجور عمال وأحوش فلوس كمان للرسم السنة الجاية، انا استلفت 50 ألف جنيه للرسم اللى دفعته، واصفاً هذه الزيادة بالتعجيزية، فضلاً عن أن المعدات المستخدمة في المحاجر الجيرية لا يمكن استخدامها في أي أعمال أخرى، مما سيدفع أغلبية مستأجري المحاجر إلى إغلاق محاجرهم والبحث عن عمل بديل لعدم قدرتهم على سد تكلفة العمل.وطالب بزيادة مدة التراخيص لأكثر من سنة وتخفيض ما يتم تحصيله من رسوم وإيجارات عند بداية العمل في المحاجر ولفترة سماح تصل إلى 6 أشهر.
وأشار حسام حسني صاحب محجر إلى أن المشكلة مازالت قائمة مما اضطرهم اللجوء إلى عمل محاضر وشكاوي للمسئولين تحمل أرقام 28، 27”لسنة 2016، و”2862 2016” إدارى متسائلا ألم يكف 17 سنة ظلماً ؟\

المحافظة : لم نعطهم عقود حتى لايدعون ملكيتهم للأراضى
المحاجر .. «حق إنتفاع» وليست تمليك
خاطبنا المسئولين للإسراع فى حل أزمة المنتفعين
إحضار بوليصة تأمين على العمال شرط التعاقد مع أصحاب المحاجر .. لكنهم فى الغالب يعتمدون على العمالة اليومية
كان لزاما علينا التوجه لمسئولى محافظة القاهرة كى نلقى هذه المشاكل الهائلة بين أيديهم وسماع ردهم.
حيث التقينا بالدكتورة جيهان عبد الرحمن نائبة محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية التى قالت: قمت بإرسال خطاب منذ أيام إلى مسئول المحاجر بمحافظة القاهرة، للاسراع فى حل أزمة أصحاب المحاجر إما بالتصالح معهم أو التوصل إلى حلول ترضى جميع الأطراف، مشيرة إلى أن هناك عدداً كبيراً من هذه المحاجر تحصل على المادة المحجرية بالمخالفة ودون وجه حق.
أما عن مطالبهم بالتأمين عليهم فأكدت أن قانون التأمينات ينص على أن التأمين يكون داخليا بين صاحب المحجر والعامل، ومن اختصاص قانون القوى العاملة أيضا.
شرط التعاقد
اتفق معها في الرأي مهندس محمد سناء المدير الفني لنائب محافظ القاهرة مضيفا: من ضمن الأوراق التى يكون صاحب المحجر ملزما باحضارهم عند التعاقد”بوليسة تأمين علي العمال”وهذا تأمين حكومي”تأمينات اجتماعية”واغلبهم عمالة يومية.
ثانيا: بالنسبة لعدم ملكيتهم لعقود المحاجر، فإن المحاجر لا تملك بعقد إيجار أو تمليك بل بنظام حق انتفاع بمادة محجرية نظير سداد ما عليه من أموال، وعدم إعطائهم عقود حق انتفاع لأنهم يتخذون منها ذريعة ويرفعون بها قضايا مدعين ملكيتهم لهذه الأراضي حتى يتمكن من التعدي عليها ويأخذ حكما بملكيتها وتقنينها.
ثالثا: زيادة الترخيص لـ6 أضعاف فهذا طبقاً للائحة التنفيذية لقانون الثروة التعدينية. 
رابعا: كيف يمكن رفع الميزانية الشبكية وهي أساس العمل لأن الارتفاع يعتبر مادة محجرية يتم التعامل عليها، فهناك عنصر في الميزانية الشبكية اسمه ”z” وهو الارتفاع الذى يظهر عند المقايسة، بمعني مساحة محجر 1000 متر يصل ارتفاعه فوق الأرض 15: 10 مترا وتحت الأرض”تحت المنسوب الطبيعي” نفس الأمتار أى أن الإجمالي 30 مترا فكيف أحاسبه على 15 متراً فقط؟!.




*************


عمال المحاجر.. الحياة تحت التراب
عشش نوم غير آدمية و13ساعة عمل يوميا وأجور متدنية
هذه مهنة شديدة الخطورة على الصحة، وهذا ما رأيناه بالفعل، عمال المحاجر لا يكفون عن السعال المختلط أحيانا بالدم.. بسبب ما يستنشقونه من أتربة تهدد جهازهم التنفسي بالأمراض الخطيرة.. وكثير منهم تعرض لذبحات صدرية، خاصة أنهم يمضون في عملهم ساعات طويلة.. يقومون باستخراج المواد الخام الصالحة من المحجر، وتصنيعها وإرسالها لشق الثعبان لإعادة تصنيعها، اضطرتهم ظروف الحياة القاسية من الفقر والعوز إلي ترك ذويهم وأطفالهم سعيا لاستخلاص قوت يومهم من حجارة الجبال،الذي لا يتعدي بضعة جنيهات لا تسمن ولا تغني من جوع، فلم يجدوا أمامهم سوي الجبل الذي ارتموا في أحضانه شاكين إليه همومهم، معتبرين تكسير الحجارة متنفسا لآنين آلامهم التي لم يسمعها أحد من البشر. 
يقول رجب إمام منصور ”عامل” إن راتبه بالمحجر لا يكفى توفير قوت يوم لأسرته فى ظل ارتفاع الأسعار 
> سألته: لماذا لا تطالب برفع أجرك ؟
>> أجاب: لو فعلت هذا أتعرض للطرد: عندي 65 سنة وبشتغل في الجبل من 7 صباحاً وحتى 8 مساء، بشتغل في كل حاجة برفع الحجر وأشيل تراب، لأن صاحب المحجر عايز إنتاج متواصل عشان يقدر يغطي رسوم المحجر، وفى الأخر باخد يومية 60 جنيه طب أعمل بيها إيه، وبعدين دي مهنة شايلة نفسها مفيهاش عبء علي الدولة لا لينا معاش ولا تأمين ولا علاج علي نفقة الدولة ولا أى شىء يذكر، صاحب المحجر لما بيقف يقولي”روح”ولو شغلني يوم مش هيشغلني التاني”.  وجيه إبراهيم ”عامل” يشرح طبيعة عملهم فى المحجر قائلا: الأول نعمل رسم للمحجر عن طريق عملية التكشيف بمعنى رفع كل ما هو هالك من علي الحجر ونلقي به في مكان آخر بالجبل، لأنه يعتبر منتجا غير صالح، لحد ما نوصل للتشغيل وهو المنتج المحلي اللي بنبيعه، مؤكداً أن عمله في المحاجر يجلب له دخلًا لا يتناسب مع حجم الجهد المبذول، فساعات العمل قد تستمر على مدار 24 ساعة يتخللها ساعة واحدة للراحة والأكل في نفس الوقت خلال النهار. دى الشغلانة الوحيدة اللى بنشتغلها وبنربي منها عيالنا ملناش مصدر رزق غير الجبل ولو واحد فينا مسك كابل مكشوف بأيده هيموت وملوش دية ولا تأمين ولا معاش، في مننا عنده 60 و70 سنة وطبعا كلنا متزوجين وعندنا بالخمسة أطفال فى مراحل التعليم المختلفة”.
نعاني من وقف الحال 
كلمات بسيطة قالها محمد رمضان ”عامل” لكنها تحمل في طياتها الكثير من الألم والحزن، حين قال: نعاني وقف الحال لأن هناك 70% من المحاجر توقفت عن العمل وسرحت عمالها لزيادة الرسوم وقصر مدتها التى لا تتعدى سنة،منها 4 أشهر للموافقات الرسمية،3 أشهر للاستكشاف، بما يعنى أن مدة العمل الفعلية لا تتعدى الـ 4 أشهر واحنا الضحية.
عشش غير آدمية
عشش من الخوص يتخللها فراغات مقامة أعلى الجبل يدخلها الهواء من أى اتجاه معرضة للسقوط فى أى وقت على رؤوس من ينام بداخلها إذا اعتراها هواء شديد، وسادة خاوية وبطاطين مرقعة بمجرد النظر إليها تشفق علي يحتمى بها ليلاً، فما بالنا إذا ما عرفنا أن هذا المكان الذي يطلق عليه عشة يأوي عمالا بني آدمين، يقول أحد العمال: الناس بتنام هنا مستحملة برد الشتا وجهنم الصيف ومش مكلفين الدولة أى حاجة، أنا بقالي 40 سنة في الجبل وعندى 65 سنة وباخد 50 جنيه في اليوم وساكن في حلوان وعشان أروح بيتى مش بلاقى عربية على الجبل تطلعني أفضل واقف للساعة 10 فى الطل علي ما أركب. استكمل عامل آخر: أنا عايش يومي كله في الجبل وعندي 54 سنة شغال في المهنة دى بقالى 44 سنة باكل وأشرب وأنام لأني ساكن فى البساتين وفى ناس ساكنة في دمياط وكفر العلو ووجمصة والمحافظات بيناموا فى العشش دى بالأسبوع والأتنين الواحد عايز 10 بطاطين عشان يدفى من السقعة، ده غير أن العامل الواحد وراه 20 عاملا منهم البنا والنحات واللى بيودى المحاجر وعربيات بتحمل كل ده بيقف، مشيراً إلى أن العمل بالمحاجر شاق للغاية وقد يعرض صاحبه للموت وأنه مصاب بمشاكل فى الرئة ويقوم بعمل جلسات تنفس صناعى، مناشداً المسئولين بالنزول والتعامل معهم على أرض الواقع وعدم الاكتفاء بإرسال ملاحظ طرفهم.